إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 3 أكتوبر 2017


الرحلة الاخيره
هذه قصة واقعيه حصلت احداثها وكنت شاهد علي وقائعها ارويها هنا للاجيال القادمه لانني اعتبرها جزء من تاريخ هذا الوطن رغم ان البعض قد يعترض عن ذلك ولكنني لااعير ذلك اي التفاتا لسبب واحد وهو ايماني بان تجاربنا وما مر بنا في الحياة من احداث هي حق للاجيال القادمه علينا كتابتها لهم فقد يجدون من خلالها ما يفتخرون به يوما من تضحيات قدمها الاسلاف وما عانوا من اجل الحياة وما مر بهم من ظروف واحمد الله ان مد في عمري لاروي لكم بعض الاحداث ومن بينها هذه الواقعه التي اخترت لها عنوان الرحلة الاخيره  لانها كانت فعلا الرحلة الاخيره لصديق ورفيق من رفاق السلاح وانا هنا اكتب بتجرد بعيدا عن النقد او الاسباب فذلك لايهمني بقدر ما اسعي لقول الحقيقه
الرقم 46195 عريف سالم عبدالله عون ..السكن جنزور
الساعة السادسه مساء يوم الثلاثاء 26/5/1981 فايا لاجوا تشاد
اتصل بي الملازم شرف المرحوم نصر عبدالله الساكت رحمه الله واسكنه فسيح جناته  وهو من الرحيبات  قائلا نحتاج لجهاز مخابره ومخابر لاننا سنخرج في دوريه الي منطقة ام شعلوبه والتي تبعد عن فايا حوالي 300 كلم لغرض استجلاب الكتيبه 21 مشاة التي تم تكليفها  بالتمركز في منطقة فايا لاستبدال الكتيبه 22 مشاة والتي قضت 8 اشهر
قمت باعداد الجهاز وتفقد السياره واعداد مهماتي الشخصيه  وابلغت الامر بانني ساذهب للمبيت مع المجموعه التي تجمعت بسياراتها في مكان الشؤن الاداريه بالمطار الذي يقع الي الجنوب من المدينه مباشرة  وجدت بعض الاصدقاء يتبادلون الحديث وحول موقد النار الذي وضع فيه سخان الشاي استمر الجدل وامتزج الهزل بالجد وتعالت الضحكات فرحا بقرب العوده الي ارض الوطن رغم المنا علي ترك جثامين رفاقا لنا حيث تم دفنهم في المنطقه  ربما نعود لذكرهم في موضوع مستقل
واثنا الحديث قال سالم ساذهب معكم في هذه الرحله وكنا قبلها قد قمنا بدوريه استغرقت اسبوع وصلنا خلالها الي منطقة ابشا التي تبعد عن فايا مسافة تزيد عن 700كلم الي الجنوب فقال له نصر نحن نحتاج الي السائقين فقط لاننا سنحضر جنود الم تكن في الدوريه التي عادت الاسبوع الماضي فقال  المرحوم سالم  وهنا انقل الكلام حرفيا ....هي اخر طلعه اوبعدها بنروحوا ...وافق نصر بعد نقاش حاول من خلاله ان يثنيه عن  مرافقتنا بحجة انه يحتاج لسيارات فارغه وانه سياخذ مكان جندي  عندها تدخلت انا وقلت له اذا جهز نفسك يا سالم وسترافقني في سيارة المخابره
نمنا حوالي الساعه الثانيه عشره علي اساس اننا سنتحرك مع بزوغ الفجر وقبل طلوع الشمس لاننا نواجهالشمس مباشرة
تم التاكد من الاستعداد وان الجميع جاهز عدد 12 سياره مرشيدس 32 وعدد سياره مرشيدس 14طن وعدد اربع سيارات كرايزر
 انطلق الجميع حوالي الساعه الخامسه صباحا يوم الاربعاء الموافق 27/5/1980 م كانت الشمس لاتزال تختفي في خدرها  خلف شبورة الصباح والهدو يلف المكان وحوالي الساعه السابعه وصلنا الي بير يقع علي طريق فايا ام شعلوبه  يسمي بير النصاري او بير النصراني وهو الوحيد خيث يقع علي بعد 50 كم جنوب فايا والطريق بين فايا والبير هي عباره عن ارض منبسطه هشه تربتها بيضاء توحد علامات تدل عليها  وهي عباره عن اطارات مستهلكه علي مسافات متباعده  طبعا الطريق يختفي في اغلب المسافات لان الرياح تزيل الاثر بعد يوم او يومين علي الاكثر  استمر الرتل في حركته متجها الي الجنوب واخذت  الشمس تلسعنا باشعتها القويه في و كنا  نشعر بالفرح رغم كل شي لاننا سنعود الي ارض الوطن  لاسرنا واطفالنا الذين اشتقنا اليهم كثيرا وان هذا الكابوس سينزاح ولو مؤقتا عنا قطعنا مسافة لاتقل عن 150 كلم عندما توقفنا بجانب ثلاث شجيرات طلح منفرده ومرتفعه قليلا عن ما حولها للقيلوله وتناول الغذاء وكنا في طريقنا قد اصطدنا شاتين غزال  فقام المرحوم جبران   وهو من منطقة القلعه من المنظمين البطاقه الخضراء  وكان طباخ ماهر  وكان اكبر المجموعة سنا باعداد وجبة الغذاء بشاة واحده لانها تكفي المجموعه خاصة ان الاغلبيه منا لم يعد يحب لحم الغزال ويفضل عليه لحم الماعز لانه الذ  حقيقه لايعرفها الا من جربها هناك وبعد الغذاء قام  لاحظ احد الافراد وجود الدجاج الفرعوني وهو بري طبعا ولايحتاج للماء لفترة طويله  فتم قنص دجاجه وقام بذلك جبران وقمنا بشوائها واخذنا نتخاطفها قبل ان تنضج ونحن في حالة مرح كل يحاول تذوقها وكم كان طعمها لذيذ
حوالي الساعه الخامسه والنصف تحركنا علي اساس ان يكون مبيتنا قبل منطقة ام شعلوبه بحوالي 15 كم لان الرائد احمد العرفي امر المنطقه يقوم بالرمايه بالدبابات عن اي شي يتحرك  او ضو بعد المغرب وقيل انه امر بالرمايه علي حمار تحرك داخل الموقع لااعرف صحة ذلك من عدمه رغم ان ذلك تردد علي السنة الجميع  ولكنه فعلا كان شديد التعامل مع منتسبيه بما فيهم الضباط كانوا يخافونه  لشدته  ولايستطيعون الاقتراب حتي من خيمته او المرور بجانبها حسب ما سمعنا من بعضهم فيما بعد
قبل ان نتحرك طلب مني نصر ان اخذ الجانب الايسر للطريق الذي اخذت تظهر بعض معالمها بين الفينة والاخري وان يتخذ هو وسائقه الجانب الايمن  لغرض قنض شاة او شاتين غزال للعشاء بينما طلب من بقية السائقين ان يستمروا في سيرهموان يتوقفوا قبل دخول منطقة ام شعلوبه في نقطه معينه وهي  عبارة عن اربع او خمس احجار ضخمه علي جانب الطريق  ....كان الي جانبي المرحوم سالم كنت اقود السياره وجدنا جدي غزال صغير فقام سالم بالرمايه عليه ولكنه اخطاه حتي كاد ان  ينفذ  المخزن واخيرا اصابته طلقة فخرجت امعاه الدقيقه من الجانب الايمن قمنا بذبحه ووضعه في السياره احسست بتشاؤم ولايزال ذلك الشعور يرافقني كلما تذكرت ذلك الموقف كانت الشمس قد تحولت الي اللون الاحمر القاني قبل الغروب بلحظات فاحسست  بذلك الشعور الغريب .... قلت لسالم يكفي فقد يكون نصر امسك بشاة او شاتين وعدنا ادراجنا للطريق تدريجيا ونحن في نفس الاتجاه طبعا لان الطريق في اغلب الاماكن هي عباره عن اثار السيارات المرافقه لنا والتي يقودها خبير  وجدنا نصر عبدالله وسائقه الزناتي رحمه الله وهو من العجيلات علي ما اذكر  في انتظارنا بعد ان اجتازوا وادي منبسط فوقفنا  وسالنا هل امسكتم غزال فقلنا واحده  قال يكفي امسكنا اثنين ثم اردف هل رايت الماء فقلت اين قال في الوادي قلت لايوجد ماء يا نصر وضحكت ممازح بديت تتخايل فقال بل هناك ماء في الوادي لم اناقشه  وركبت السياره وعدة قاطعا الوادي واثناء رجوعي قلت لسالم نصر اصبح يتخايل بينما كان نصر وسائقه قد اختفوا خلف منعطف يبعد حوالي 500 متر عن الوادي واثنا عودتنا كانت الارض علي جانب الوادي منبسطه ففقررت ان ازيد من السرعه وخرجت من اثار الطريق وفجاة وجدة السياره تنحدر في بركة ماء كانت تخفيها السفانا وغمرة المياه الاطارات الاماميه بينما بقت الاطارات الخلفيه في الهواء ومالت السياره علي الجانب الايسر ا وقفت المحرك واطفات الانوار نزلنا من السياره حيث نزل سالم اولا ونزلت انا بعده من نفس  الباب لان باب السائق لايمكن فتحه لانه التصق بالارص من الاسفل كانت الصمت يلف المكان وكان الوقت بعد المغرب فقد كان الظلام دامس اسخنا السمع فكنا نسمع جلبه وصوت اواني وحديث وحركة حيوانات تاتي من الوادي الذي لم يكن يبعد عنا الا خوالي 200 متر حيث تغطي مجراه بعض الاشجار وتنتشر الشجيرات الصغيره علي جانبه الجنوبي بينما الجانب الشمالي اجرد وتغطي السفانا مساحة كبيره من الجنوب ....كانت عندي معلومات من برقيه ارسلت لنا تفيد ان هناك قتال بين التشاديين في ام شعلوبه وطلب منا اخذ الحيطه والحذر فاخبرة سالم بذلك وقلت له قف خلف السياره وبندقيتك باتجاه الوادي واسخ السمع وركز نظرك قدر الامكان وسابحث عن شي داخل السيلره احاول ان اخفر به التراب الموجود بين الاطارات الخلفيه لم اجد الا القضيب الذي يستعمل مع الرافع فاخذت اغرزه في الارض واسحب الطين اللزج  ولكنه جهد لايفيد وليس من ورائه جدوي ولكنها محاولة الغريق الي ان يعود الينا الرفاق وبعد حوالي النصف ساعه عاد الينا نصر فقد استغرب تاخرنا وسال مالذي حصل قلت له ضاحكا الان صدقت ان فيه ماء فرد لالاانا نتخايل ....المهم حاولنا اخراج السياره بوضع جذوع الاشجار تحت الاطارات ولكننا لم نتمكن عاد الينا مجموعه اخري نال منا التعب في المحاولات الارتجاليه توقفنا للراحه وجلب المزيد من الاخشاب كانت سيارة نصر تقف قريبة من سيارتي وضعت يدي لاستريح وكان الباب الخلفي مفتوح فوقت يدي علي الجنزير الذي يستعمل لرفع الباب وهو قصير لمعت الفكره ليس ذكاء ولكنها هداي هاو الهام الاهي قلت للزناتي هل لديك مفتاح قال لماذا قلت سافك الجنزير ونسحب السياره به ....حرفيا قال ....ايح ..فال له نصر اعطه المفتاح قمت بفك الجنزير من الجانبين وكان لايتجاوز المتر قلت له قدم سيارتك لموخرة سيارتي وبعد تشكيل السيارتين قلت له لاتسحب عادي بل نصف فاصل عندما ادير المحرك وتري الاطارات تتحرك ركبت السياره وانا خائف ان تنقلب فقد كانت تشكل زاوية 45 درجه مع الارض  ونجحت الفكره فقد شعرت كان من جاء واخذ السياره وقذف بها خارج الوحل والماء وجدنا بقية لمجموعه قد اعدة العشاء وقد استغرقنا في الضحك والتعليقات عن الموقف وحوالي الساعه 1 ليلا نام البعض بينما قال الزناتي والخبوزلي وهو من مدينة زواره نريد امساك بعض الغزلان حيه لنقلها معنا الي ليبيا فخرجت انا والخبولي وكان يقود السياره الزاني بينما بقي سالم بجانب النار قال انه لايشعر بالنعاس بينما كان نصر وبعض الافراد قد ذهبوا في سبات عميق نتيجة التعب والحراره خلال النهار وكنا نحن شباب لانتاثر كثيرا بذلك كنا نقترب من شاة الغزال الي ان تصل المسافه الي ارب عاو خمس امتار لان الغزال في الليل والضو لايهرب وانما يمشي بسرعه بسيطه كنا نصيح علي الخبولي وكان يجلس علي مقدمة السياره اقفز هيا ولكنها لم يتمكن من القفز لخوفه فكنا نضحك ونعيره اين شجاعتك المهم استمرينا الي حوالي الساعه الثانيه عندما وجدنا ارنب بيضاء كالثلج فاخذنا نطاردها بعض الوقت دون رمايه  واختفت منا في الاحراشقررنا العوده الي المجموعه فلم نعرف الاتجاه كنا نري علي الظلام تبه قريبه فصعدناها بالسياره وقمنا برماية طلقه مذنبه فكان الرد من سال بطلقه مذنبه حيث عرف اننا تهنا اتجهنا الي المكان وصدفنا بعض الاوديه الصغيره كنا نتفادها وندور حولها المهم استمر تبادل الاشاره اكثر من خمس مرات وكنا نعود لنفس التبه واخيرا قلت للزناتي عندما تصل الوادي سانزل واقطعه وانت ابحث عن مكان لاجتيازه وعد لنفس الاتجاه وهكذا مسافه تزيد عن 3 كم قطعناها في ساعتين او اكثر كان الفجر علي الابواب عندما وجدنا سالم لايزال بجانب النار قال لقد عرفت انكم تهتم ولم يبقي الا طلقه مذنبه واحده وقد بحثت عن الاطلاقات المذنبه فيب مخازن الجميع فلم اجدها لم ننم تناولنا الشاي وايقضنا القيه ومع تباشير الصباح وتلك النسمات الريفيه الرائعه انطلقنا لانستكمل بقية المسافه الي ام شعلوبه فدخلناها حوالي الساعه الثامنه صباحا ووجدنا الكتيبه 21 مشاة في انتضارنا
شأت الصدف ان يكون امر الكتيبه من الظباط الذين الحقوا بالكتيبه الاولي في احداث 1977 عندما كانت تتمركز جنوب كمبوت في منطقة طبرق وبالتحديد في منطقه اسمها حفلز شللق  لازلت اذكلا الاسم جيدا التحق بنا هذا الضابط هناك وعرفته وبقينا ثمانية اشهر في العراء امضينا هناك شهر رمضان ويوم 27 لرمضان اقيمت حفله غنائيه ترفيهيه غني فيها احمد خمزه من تونس والفونشه ...ههههههههه هذا موضوع اخر فكل المواضيع كالاشجار تتشعب وان ذهبت مع عرف لايمكنك الذاب مع الاخر الا بعد النزول وها انا انزل لاستمر في الصعود مع العرق او الغصن الاول......
المهم تعارفنا كان يحمل رتبة م اول وهو المكلف بامرة الكتيبه فقال لي لاتترك احد يركب معك قل له معي امر الكتيبه وكان معي سالم يسمع ذلك فقال ساذهب واركب مع نصر  فقال  له الضابط لا ابقي اليسياره تحملنا الاثنين انا قصدي علي الافراد التابعين لي وقلت لسالم ان هذا ليس غريب فلقائي به كان في المواقف التي تعرف فيها الرجال وها نحن نلتقي مرة اخري في موقف اصعب ولكن سالم اصر علي رايه وانا اعرفه جيد فهو لايريد ان يجعل الضابط يشعر بالضيق ..طبعا عندما كان الجيش جيش وكل وكان هناك احترام وليس خوفا وانما ضبط وربط عالي ولسان حال الجندي يقول لماذا ارتكب ما اعرف انه خطاء اليس ما للظابط من عقل عندي اليس وزن ادمغتنا متماثل السنا ابناء تسع شهر فقط ظروف أوجدتني وظروف أوجدته ويحكمنا قانون نحن لم نضعه عندما تصل قناعة العسكري لهذا التفكير ثق انك بنيت اقوي جيش يمكن الاعتماد عليه ويحمي الوطن ....
ركب الضابط بعد ان قام بالاشراف علي توزيع الافراد علي السيارات واتجهنا الي الشمال عودة لفايا لارجوا وقبل ان نتحرك قال نصر انت وسيادة الضابط معك خذا الجانب الايمن وانا ساخذ الجانب الايسر لنبتعد عن الطريق قليلا بينما السيارت تتوقف في وادي الحنظل لوجود اشجار الطلخ التي توفر ظل للقيلوله ونحن سنصطاد غزال ونحن في نفس الاتجاه لاعداد وجبة الغذاء للكتيبة وهو يتحدث كان سالم قد ركب في السياره من الخلف وهو يعتلي تموين تم تغطيته بخيمه صغيره ويتجه للامام وقفز ضابط شاب لااعرف اسمه في نفس السياره وتمسك بركيزة الرشاش  وعندما اخذت السياره بالتحرك قفز جندي لم يجد مكان في السيارات حيث كانت مكتظة 
تحركة السيارات بعد ان ركب  كل الافراد وكانت سيارتنا انا ونصر اخر السيارات التي تحركت بعد ان تم ابلاغ السائقين بمكان التوقف  وبعد ان غابت السيارات عن اعيننا تحركنا انا الي اليمين قلسيلا وفي نفس الاتجاه ونصر الي اليسار وفي نفس الاتجاه لغرض صيد مجموعه من الغزلان كما اشرنا ولم نجتاز الا مسافه قصيره ووجدنا الغزال  فاخذنا في مطاردته كنت اقود اسياره والضابط يرمي ونتيجه للمطارده وتغيير الاتجاهات ابتعدنا عن اثار السيارات كنا قد امسكنا بعدد سبع شياه غزال عندما كانت الساعه تقارب علي الثانيه عشره تقريبا فتوجهنا للحاق بالسيارت  نتيجة لتغيير اتجاهنا ووجود الشمس في قبة السماء لم نعد نميز اتجاهنا هل هو الشمال او الجنوب يعرف ذلك جيدا من يدخل الصحراء ولكنني لم ابلغ الضابط بانني فقدت الاتجاه قررت الاستمرار في نفس الاتجاه حيث كنت اعرف انني اما ان الحق بالرتل او اعود لمنطقة ام شعلوبه وبعد مسافه حوالي خمس كيلو متنر وجدنا اثار السيارات وعلي بعد كانت هناك شجيرة طلح يتيمه  يتصاعد الدخان من تحتها ولاحظنا بعض الابل فاتجهة اليها وهنا تكلم الضابط قائلا ربما يكون عدو لاداعي للذهاب اليهم فقلت له من واجبنا ان نستكشف هل هو عدو او صديق والحقيقه وبصراحه لم يكن هذا هدفي انما باعتباري متواجد بالمنطقة اكثر من تسع اشهر أصبحت اعرف بعض اسرارها ومن ظمنها ان هناك قوافل للابل تاتي  من ام شعلوبه لفايا للتجاره تعود محمله بالطرونه  وهي تشبه الملح حيث انها توضع في مياه الشرب للأغنام لتساعد علي تغذيتها وتسمينها وكنت اريد ان اتاكد انني في الاتجاه الصحيح  وعندما اقتربنا لمسافه اوقفت السياره وقلت لمرافقي ابقي انت هنا وساذهب لاستطلاع الامر  وصلت المجموعه كانو يطهون الشاي ....كلها ..كلها ..التحيه ....فيه وتير .....اي فيه وتير كثير مرق كده واشار لنفس الاتجاه الذي اسلكه عرفت انني اتبع الطريق الصحيح تناولت كاس شائ وودعتهم وعدت للسياره واخبرة مرافقي انهم تجار عائدون من فايا استمرينا في نفس اتجاهنا وحوالي الساعه الثانيه بعد الظهر اشرفنا علي وادي الحنظل .....ههههههههه ذكرني بوادي المسك ...... وصلنا ووجدت نصر قد سبقنا وبادرني علي الفور اتصل بفايا... سالم  أصيب  وارسلته الي فايا واطلب  منهم ارسال طبيب ليلتقي بهم  بالطريق كانت المسافه لفايا حوالي 200 كم  ....كانت المنطقه منخفظه والوقت قيلوله  واعرف بخبرتي انه من الصعب تحقيق اتصال في مثل هذه الظروف للتأثير علي الموجات اللاسلكيةنتيجة للعوارض الطبيعيه  كما هو معلوم لبعض من لديهم خبره بانتقال الموجات اللاسلكية...الارضيه والسماوية...و تاثير الحراره والعوارض علي مسافة انتقالها اترك هذا للمختصين.. حاولت الاتصال ولم اتمكن  من تحقيقه نظرا لما سبق ذكره  سالت اين مكان الاصابه لسالم فقال نصر هناك نزيف من الكتف وقد قمت بتضميده  بواسطة البخاخ وقطعة شاش وداؤ النقاش كيف اصيب ومن اصابه فادعي الضابط والجندي الموجودان معه بالسياره من الخلف انها الرشاشه  ومن غرائب القدر ان سالم قام بتنظيف الرشاشه في الصباح قبل تحركنا وقام بلف قطعة شاش علي مانعة الوميض وفوهة السبطانه محافظة عليها من الاتربه  جلست مكان سال وقلت اديروا الرشاش هانا اطول منه وكانت الرشاشه اعلي من جسدي ونظرنا قطعة الشاش فكانت كما هي  بحثنا عن الشاظور والظرف الفارغ فوق الخيمه وفي صندوق السياره حيث انه من المعروف ان الظرف الفارغ للزرشاشه يسقط تحتها مباشرة وليس كالبندقيه قمنا بعد شريط الاطلاقات فكانت كما هي 200 اطلاقه  ثلاثه عاديه والرابعه تنوير كما كان متعارف عليه ...قطعنا الشك باليقين وتاكدنا ان الرشاشه برئه من اصابة سالم  وحامت الشكوك بين الجندي والضابط الموجودان معه ..كان افراد الكتيبه قد تناولوا تاغذاء اما نحن فلم نذق الا الماء كان يخيم علينا الحزن فسالم واحد منا رفيق وصديق طيب وضحوك دائما مبتسم لازالت ملامحه بمخيلتي اراه يبتسم وانا اكتب هذه الكلمات ربما يسال مالذي حدث بعده هل عدنا لارض الوطن او مازلنا هناك لان الزمن عنده توقف في تلك اللحظات وها نحن نحسب بعده عشرات السنين واحداث جسام هزت الوطن ومايزال المخاض العسير لاندري ما هي نتائجه   فقد ياتي من بعدنا من يكتب عنه فقط نتمني ان تكون كلماته صادقه للتاريخ والاجيال القادمه كما نفعل الان بعيدا عن النقد او التجريح وانما  سرد الوقائع بشفافيه وصدق ....
انطلقنا بعد ان استعدة المجموعات وكانت الشمس مقابلة لنا بالاظافه الي ذلك الشعور المؤلم ولكم ان تتخيلوا تلك اللحظات حزن وفرح وحرارة امل بالرجوع للوطن وياس فقدنا صديق عزيز  اشياء تختلط فلا تعرف هل انت انت او انت ليس انت  كانت الساعه الرابعه مساء عندما تحركنا  استمرت العجلات تطوي الرمال والصمت يخيم علي الجميع لاتسم عالا هدير المحركات ووتري الغبار الذي تثيره العجلات وقد ارتفع قليلا ثم مال الي الجنوب  ثقب اطار احد الشاحنات فتوقفنا لاخذ استراحه وكانت تقع الي الغرب ربوة رمليه عاليه انطلقت اليها بالسياره  املا ان احقق اتصال لاسلكي  توقفت في اعلاها وانزلت الجهاز علي الرمال قمت بالاجرات الفنيه  واذا بي اسمع محطة فايا بوضوح ومحطة الكفره كانت اوضح رغم انها ابعد ولكن اتضح لي ان محطة فايا لاتسمعني بينما كنت اسمعها بوضوح  فطلبت من مركز القياده الخلفي بالكفر هان يقوم بالتعبير لفايا هل وصل المعلوم  وسمعت مخابر مركز القياده الخلفي ينقل رسالتي واستمعت للرد من المخابر قائلا حرفيا ...اوصل اوماصارش منه ...اقفلت الجهاز لم ارد عن احد شعرت بطعنة نجلاء تحولني الي كومه من الالم والحزن بقيت بضع دقائق احملق في الفضاء احاول ان اجد ما ينقذني  من ما انا فيه اتمني ان يكون ذلك حلم  او خيال وعندما اخذت اقوم بفك هوائي الجهاز عرفت انها الحقيقه فقد مات الصديق والاخ سال عبدالله نعم مات سالم البشوش وهو يستعد للعوده لارض الوطن بعد تسع اشهر مات وماتت بسمته التي عرف بها سبحان الله ومن كانت منيته بارض وكانت منيته بتلك الارض فبقي فيها وجعل الله اسبابا لذلك
عدت للمجموعه وقد استعدوا للتحرك وجاء نصر وسالني هل تمكنت من الاتصال فاحبت لا لم اتمكن وكان جبران غير بعيد عني اقترب مني وهمس قالولك توفي قلت لا قال انا اعرف انه توفي انا متاكد ليس عني ووجدت نفسي اقول له نعم كلامك صحيح ولكن فقال نعم افهم عندك حق القصد هو عدم احداث مزيد من الالم والحزن علي المجموعه  وخوفا من ردود فعل من بعض زملاؤنا فبيننا من لايقدر العواقب وقد يقتل احد كردت فعل وانتقام لزميلنا واذكر ان فرج وهو ورفلي قمنا بسحب بندقيته بالقوه لانه كان ينوي ان يقتل الضابط والجندي اللذان كان مع سال بالسياره بالخلف ...استمرت الرحله بعد هذا التوقف الذي دام اقل من ساعه وكانت الحراره تزداد ارتفاعل حيث اننا دخلنا منطقة كثبان رمليه لاتوجد بها اي نباتات او اشجار الساعه الثالثه ليلا توقفنا وقد تحولت الارضالي اتون من الحراره نتيجه لاخراج ما خزنته في النهارحتي انك لاتطيق الجلوس علي الارض بدون واقي توقفنا لفرة راحه حوالي الساعه ونصف ثم تحركنا وقد اخذنا نشعر بالتعب والارهاق نتيجه لما مر بنا من احداث بالاظافه الي الحراره وعدم النوم وا الاكل وحوالي الخامسه والنصف صباح  يوم 29/5/1981 ومازال الظلام ينتشر علي المنطقه  وصلنا الي بوابة فايا الشرقيه دخلت  مجموعتنا وبقت الكتيبه في مكانها الي الصباح ....
تم دفن المرحومعصر اليوم وكان بالكتيبه ممرص اسمه بشير اغميقه من الزاويه لي به معرفه قديمه التقيته وبع السلام والسؤال عن الاحوال سالته عن المرحوم باعتباره قام بتغسيله فال ان هناك ثلاث طلقات دخلت من الخلف من الاسفل وخرجت من الكتف دليل علي ان من اصاب المرحوم كان يجلس اسفله وهو الجندي الذي تم الاشاره اليه ومن غرؤائب الاقدار ان ذلك الجندي يسكن بابوسليم وكان هروب لمدة اربع سنوات وتم القبض عليه وتسليمه لوحدته بخليج بومبه بعد درنه وبقي في السجن اسبوع وباعتبار وحدته كلفت بالجنوب تم تسفيره مع الوحده ...انه القدر فلا مفر منه فقدن الكثير من الزملاء ولم يكن سالم منهم ولكن الطلقات  التي ستقتله ومن سيرميها لم تكن في تشاد كان صاحبها لايزال هاربا فتم القبض عليه لينفذ ما سبق ان كتب له ...وهكذا انتهت قصة هذا الانسان التقت زوجتي  بوالدته صدفت فقصة لي حكايتها واسمه بالكامل وقالت ان والدته لاتزال تنتظره فسردت قصته ولكنني لم استطيع مقابلتها او اخبارها خوفا ان اقتل فيها الامل الذي تعيش به وقد اخبروها انه حي يرزق ربما تكون رحلت ومعها الامل .....ما سردته حقيقة وواقع عشته يوما ما واحمد اللله انني مازلت اتذكر كل التفاصيل وادقها وقد نقلتها بامانه وبدون تصرف او تغيير في الاحداث  رحم الله كل من رحل من الاصدقاء وغفر لهم وجمعنا بهم في جنة الرضوان وامد الله الاحياء منهم بالصحه واطال في اعمارهم في طاعة الله ....قلم وذكريات..... ....من خارج الزمان
 حرر في 17/5/2014 بعد مرور33 سنه من وقوع هذه الأحداث .
مساء الخير ياوطن
ناسك هتايا
وخلوك لنذال تحت الوصايا
تقابل مظلم
واهلك عرايا
حالك ايبكي زايد شقاي
بكثرالرزايا
مذابح من الخوت سالت دمايا
وخانوك ياوطن جبناء وتمت حكايا
قلال الكرامه عليهم دعايا
يالله يا رب لاتخيب رجايا


الاثنين، 2 أكتوبر 2017

بعد غياب طويل عدنا نحاول بعث الحياة من جديد في جسد انهكه الهجر  حتي نجد ملاذ ناوي اليه  اذا ما شعرنا بالملل من العالم  الواقعي فنرسم عالمنا ونبنيه حسب رغبتنا بالحروف والكلمات لنجد فيه بعض اراحه 

الجمعة، 20 مارس 2015

الجزء السابع من حكاوي بنينه

حكاوي " بنينه" ( 20)
"
قفل يا مفتاح"
لم يكتمل انقضاء اليوم الاول على مغادرة العقيد " محمد العباس" في مأمورية الى طرابلس وتسليم زمام القيادة الى العقيد " مفتاح" حتى ظهرت جليه وواضحة بصماته والطريقة التي ستمضي عليها الأمور في المدة القادمة. وبالرغم مما ظننته محاولة لإذابة الجليد بيننا في غذاء يوم الأمس، وتحسن في العلامة التي أصابها التوتر في البداية، الا ان رفضه للطلب الذي قدمته بتحويل احد المرضى الى بنغازي للعلاج أزعجني، وأحسست انه بذلك بداء بفرض إرادته و سيطرته عليّ، بحكم انه الآمر او " الفاتق الناطق" في القاعدة....
...
ذلك اليوم طلبت تحويل اثنين، رفض الاول، ووافق على الثاني وهو النقيب " البوليس" او هكذا يسمونه لانه متخرج من كلية الشرطة، وانتقل او نُقل الى الجيش وهو برتبة نقيب.،.. " البوليس" طلب مني المساعدة، وأخبرني عن ظروفه العائلية على انفراد.....
حدثني عن والدته الكبيرة في السن، وهو اصغر ابنائها وهي تعاني المرض ولا أمل في شفائها،... "'البوليس" وكل أهله يود الزواج، ويتمنون ان يتم الامر ووالدته على قيد الحياة، تحقيقا لرغبتها الاخيرة في هذه الدنيا، وهي ان ترى ابنها الأخير او " مصماص الكرشة" متزوجا، قبل ان تلقى وجه ربها....
لم يتبقى على دخول شهر رمضان الا أسبوعين، مما يجعل الامر فيه ضيق، اذ ان معظم الليبيين يحرصون على إقامة الأعراس قبل او بعد شهر رمضان...،.. تعاطفت معه او في الحقيقة مع والدته التي لم يبقى لها الا هذه الأمنية لتتحقق قبل ان يقضي يأتيها الأجل ......
...
اسمع يا نقيب" البوليس" انا أودّ ان أساعدك ،... لكن قوللي؛ هل انت مريض،... يعني ما عندك حاجة تشتكي منها،..... خمّن قليلا، ثم أجاب بالنفي،... لا يا دكتور،.. الحق الحق حالي باهي!!!
سألته مرة ثانية،.. يعني لا عندك " كحة"، لا عندك " إسهال"، وإلا عمرك ما عانيت من " دم" في البراز؟...ثم اردفت،... ما ظنيت فيه حد،... ما عانى من قليل من الدم في البراز،... يعني " البواسير"؟..
يبدو انه التقط الخيط!!،... أيه يا دكتور،.. نسيت نقوللك،... " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"... ايه صح زمان لما كنت في الكلية صارت مرة وإلا مرتين،.. ايه صح والله،.. غير أنسيت..........
بس.. بس.. ما عاد تزيد،... انت عندك " البواسير" ولابد من ان تعرض على أخصائي جراحة " مستعجل وفوري"...
أكملت تعبئة نماذج التحويل، وأعطيته الاوراق، وتمنيت له " الثبات والنبات، وطزينة من الأولاد والبنات"،.. وضحكنا،.. وعدى في حال سبيله...
....
مع اني عانيت بشيء من تأنيب الضمير فيما قمت به، وهو تحويل نقيب للعلاج وراحة مرضية بحجة " البواسير"، والحقيقة هي راحة لظروف إنسانية،.. لكن ما هون الامر عليّ هو الدرس القاسي الذي تعلمته من " امراجع"،... وكان يعز عليّ ان لا تتحقق رغبة والدته...
طبعا، كنت أدرك ان حكاية " البواسير" لن يسأل عليها احد، ويعني من الأخير .... بيفحصوه يعني ؟!!!!
شعرت تلك الليلة ان " الفتل تغير"، وان العلاقة مع الأفندي " مفتاح" سيشوبها التوتر والحذر، فها هو ومن اول يوم يرفض اول طلب تحويل منذ ان بدأت في عيادة " السارة"...
أخبرت " بنينه" بما جرى، ففرح كثيرا،....... انصر دينك يا دكتور،... انصر دينك،... والله الا انك راجل!!!
بارك الله في من "جمع بين اثنين"،.....،.. ما كنت أخمن انني بما قلت، فتحت عليه المواجع، وانتظاره الطويل للزواج، وايضاً تشابه حالته، فهو كذلك له أم تنتظر في يوم " عرسه" على أحر من الجمر .......
يا دكتور،... ما فيها ندامة،... انت إنسان وعندك احساس؟!..
أسعدني كلامه، وخفف من شعور الملامة الذي ينتابني بين الحين والآخر....
يا دكتور،... اليوم " خمسطاش" وإلا لا؟!... ايه اليوم 15 ابريل....
اليوم يا دكتور فيها " غيطه"،.. ايوه،..." غيطه".... هم عندهم حفله واحنا عندنا حفله.....
بعد العشاء، كان واضحا انه ابلغ الجميع بما ينوي،... وما ان انتهينا من " البكبوكي" وجبة العشاء المفضلة حتى ساد جو من الحبور والبهجة،.... وبدأت " الغيطه"...
هيييييييييييييييي
كبانية
إقلال الوالي
كبانية
إقلال الوالي
كبانية
إقلال الوالي
...
مو غايب
منهم لا والي
مو غايب
منهم لا والي
او موغايب
منهم لا والي
هييييييييييييييي
.......
هيييييييييييييييي
غير الوقت
اتكا علينا
غير الوقت
اتكا علينا
أوغير الوقت
اتكا علينا
الا هي
الهربه مو لينا
الا هي
الهربه مو لينا
وإلا هي
الهربه مو لينا
هيييييييييييييييييييي
.........................
هيييييييييييييييي
"
بنينه"
والمرهون يراجو
"
بنينه"
والمرهون يراجو
او " بنينه"
والمرهون يراجو
اجعنهم
كيف اليوم تلاقو
اجعنهم
كيف اليوم تلاقو
واجعنهم
كيف اليوم تلاقو
هييييييييييييييييييي
"
بنينه" والمرهون يراجو :: اجعنهم كيف اليوم تلاقو
واستمرت " الغيطه" والكشك والتمجريد لساعات، في جو يسوده الفرح والمرح، افلح في التخفيف من جو الكآبة الذي يسود " السارة" بعد هزيمة " وادي الدوم"، وتجمع عدد كبير، عشرات واذ لم ابالغ ربما مئات من الجنود وحتى الضباط الذين أحسست انهم لم يستطيعوا ان يبقوا بعيدا عن لحظة فرح، قل مثيلها في هذا المكان...
بعد ان انتهت " الفيشطه" وغادر الجميع الى مقراتهم، جلس " بنينه" بجانبي، وعلى وجهه علامات الفرح والسعادة بما لم أراه من قبل،... وبداء يحكي لي عن حلمه وما يتمناه......

الجزء السادس من حكاوي بنينه




حكاوي " بنينه" ( 18)
بدأت افهم في " النفسية"
يوم الثلاثاء 14 ابريل 1987ميلادية، توافد على العيادة المزيد من الجنود الذين ضلوا طريقهم عند الهروب من معركة " وادي الدوم" - اذا صح ان تسمى معركة - وسقوطة في ايدي القوات التشادية يوم 18 مارس 1987 ميلادية،.. ما حكوه من قصص ومواقف يشيب منها الرضيع وتذهل منه الحوامل،.. " سقوط مريع"،... بكل معنى الكلمة
اول الحاضرين الى العيادة في صباح ذلك اليوم، لا زالت صورته عالقة في الذهن، ..كان يعاني من جفاف شديد جداً، مقاربا على الموت، مشى حافي القدمين أكثر من مئة كيلومتر، وعدة مرات توقف ظانا انه لن يقوم من نومته، بعد ان اعياه التعب والجوع والعطش، تحرقه أشعة الشمس، وتلفحه رياح الصحراء الجافة،.. ولولا أردة الله لما اهتدى الى منعرج في طريقة هداه الى حيث وجد، وهو في الرمق الأخير....
...
عينيه الزائغتين، ولسانه اليابس، بالرغم من القطرات التي سقوه بها، كانت اهم ملامحه،.. لم تكن له قدرة على الكلام في اول الامر،.. سارعنا الى إسعافه وهو بين الحياة والموت،.. وجدت صعوبة في إيجاد اي عرق من عروقه فقد ازاغها الجفاف،.. وعندها كانت عدة الجراحة الصغيرة وسيلة للبحث عن عروقه في القدم، وعلى عجل بدأنا في تغذيته بالسوائل، وتبليله بالماء،... ساعتين على احر من الجمر، وانا ادخل عليه بين الحين والآخر، انتظر ان اجد قطرة بول " واحدة"،.. اذ ذلك ما كان يؤرقني،.. هل فشلت الكليتين،.. ام حفظهما " حافظ السموات والأرض"...
بعد اربع ساعات، دخل " بنينه" يبلغني ان رأى " قطيرات" بول" كيف لون الشاهي في " التوبو" يا دكتور....
لا اجد حتى اليوم ما يعبر عن " الفرحة" بمثل هذا الخبر، وهو " قطيرات" من البول،.. اذ بحياة هذا الانسان " معنى الحياة" كلها.....
ساعة بعد ساعة، ابتلت عروقه واستعاد وعيه، وبدا يحدثنا عن محنته بعد ان انقطعت عنهم الاتصالات، فلا علم لهم بما يجري في "قاعدة الدوم" وهم الذين يحرسون أطرافها الشمالية،...
رجليه متقرحة وكانها أحرقت بالنار، كانت في حاجة الى العناية أكثر بكثير مما احتاجه " مصطفى"...
.......
يا الهي،.... كم من الجنود والضباط الليبيين الذين قضوا من " العطش" بعد ان تيبست أبدانهم وجفت عروقهم تائهين في هذه الصحراء الواسعة؟!!.
قبل الغذاء، أتى الى العيادة عسكري وطلب ان يتكلم معي، ناقلا رسالة من العقيد" محمد العباس"!.. تفضل،.. ادخل. ... لا لا انا مستعجل،. انا بس جاي نقولك ان سيادة الأفندي العقيد " محمد" عازمك على الغذاء في " بهو الضباط"،.. وهو حيجيك للعيادة وقت الغذاء..... حاضر ان شاء الله ...
أبلغت " بنينه" بالأمر، ولم تمضي الا لحظات وجاء سيادته للعيادة،.. بعد التحية،.. اطمئن على " الكبانية"،... ثم وجه كلامه الي؛ هيا هيا نتوكلوا على الله،... الغذاء يراجي!
ركبت معه، وما ان تحركت السيارة حتى توجه بها عكس اتجاه " البهو"،.. وبعد برهة سألني،.. أه ... كيف اخبارك يا دكتور؟!
الحمد لله،.. الحمد لله مرتاح، والجماعة متعاونين، والمرضى أمورهم الحمد لله،.. فيه حالتين عملت ليهم تحويل لطرابلس ووافقوا عليه مشكورين ..
وكيف الحالات يا دكتور؟!..
والله كيف المعتاد،.. بس والله... والله ...أيه لا كلهم حالهم باهي ( كنت أودّ ان احكي عن حالات الدوم، ثم قلت " بدل ساعة بساعة")....
احكي يا دكتور... احكي ...
والله يا أفندي،.. واجعيني حالات " الدوم"،.. لا حول الله كيف صار؟!!.... انا مستغرب،.. وماني مصدق!!
لا لا يا دكتور،.. صدق كل اللي تحق فيه، الجيش معنوياته " صفر" في " الوطا"..
ثم اسهب في الحديث؛
يا دكتور،.. الجيش أدمر،.. من فترة أدمر،.. هذه سياسة؟!..
تصدق يا دكتور، انه "عريف" يحكم في كتيبة فيها ضباط ؟!
تصدق يا دكتور، ما حد من الضباط الكبار راضي على اللي صاير،... لكن من يقدر يقول " لا"؟!
الجيش أدمر، ولا تدريب، ولا أعداد، كل اللي تحق فيهم من " التجييش" في حرب ورائها فرنسا، ومصر، وأمريكا.
اليوم، اللي راضيين عليه في " كتيبة أمنية" وهاذين لحماية " النظام"،.. والجيش اصبح " خردة"..
احنا غير راضيين، لكن لا احد يسمع ؟!!
.....
شعرت بالحسرة والصدق في كلامه،.. ولكن لم أشارك باي كلمة ربما تحسب عليّ، بالرغم من الاطمئنان الذي اشعر به نحوه... ربما أحسست انه هو " يفرج" على نفسه ويفرغ في شحنة من الغضب!!
استمر في الحديث،.. انا حبيت نبلغك اني مسافر في " مأمورية" غداً ، وان المقدم " مفتاح" هو الآمر بالوكالة بعد ما نسافر!... بس ولا يهمك،.. ولا تخاف منه،..
لا ادري اذا كانت كلماته ساعدت على ارتياحي ام ادخلت الخوف من جديد على ما تحمله الأيام القادمة؟!!..
وصلنا " للبهو" والغذاء الذي أعده خدمات غرفة " القيادة" جاهز للأكل...وباقي الضباط وكأنهم كانوا في انتظاره..
تشعب الحديث على وجبة الغذاء، وحينها شعرت ان هدفه كان إذابة " الجليد" مع المقدم " مفتاح"، الذي عّرفني عليه مجددا هذه المرة، مضيفا؛ تعال سلم وَبَارِكْ للعقيد " مفتاح" الذي كان بالطبع يلبس الرتبة العسكرية..
كان في الحديث الكثير من المودة بين الجميع، ولا كلام على " وادي الدوم" او حالة الجنود ومعنوياتهم.
ودعني العقيد " محمد" بعد ان أصر ان يوصلني بالسيارة، وعند نزولي، قال؛ كلام السيارة يقعد في السيارة!!، أومأت اليه بالموافقة.
داومت العمل في الفترة المسائية، بالذهاب ومتابعة حالة المريض الذي يعاني الجفاف، و بدا اكثر نشاط مما كان عليه، ولون البول اقل قتامة مع زيادة في كميته،.. فرحت وطمئنته على حاله، وانه وبفضل الله يتعافى..
...
ما ان جلست على الكرسي حتى دخل مريض، كبير في السن " يتلوى" ويصرخ من شدة الألم وكلتا يديه تقبض على حضنه!!.. ما ان تراه حتى تخمن ان يعاني أعراض " حصوة في الحالب"،.. تقدمت اليه وساعدته على الجلوس،.. ثم غيرت رايي، ونقلته الى سرير الفحص،. وبعد تاريخ مرضي سريع استنتجت منه ان عمره خمسون سنة، ودخل الجيش عن طريق التجييش الإجباري، متزوج وله ثمانية ابناء...
بعد ان تأكدت من خلوه من الحساسية للأدوية، هممت بحقنه بإبرة تخفف عنه الألم،.. بالرغم من شعوري انه فيه " ها ماها"...
قبل ان احقنه، سألته هل عنده الم في راسه أيضاً، فأجاب بنعم؟
ثم سألته،.. وهل يولمك كتفك الأيسر ورجلك اليمنى، فأجاب بنعم؟
عندها، شككت، وسألته، وهل عندك دم مع البراز ( حاشاكم الله)، فأجاب بنعم؟
او.. او،.. قلت في " نفسي" راجي شوي قبل الإبرة، خليني نحكي معاه!!...
أعطيته حبة " اسبيرو"،.. وداومت الحديث،.. منين انت يا عمي؟!
انا من " مزدة"،.. من " راس الطبل"،.. في " مزدة"،... تعرف " مزدة" يا دكتور....
يا سلام، كيف لا يا، ومن ما يعرف " مزدة" ..... يا عمي
وكل ما شاغلته في الكلام نقصت آلامه حتى عدل من وضعه على السرير،.. وبداء " يهدرز" ..." لا بيه، لا عليه"!!
وكيف حال الأولاد؟
خرجت " زفرة" من صدره تحمل كدر وغم، كأنك تراه مجسدا أمامك!
الأولاد، ليا ست اشهور ما شفتهم!!.. والله ماني عارف كيف صاير فيهم؟!!..
لا عارف كيف مدارسهم، وايش صاير في " الشويهات"،.. حالة يا دكتور
الخلاصة،.. ان ما جاء به للعيادة هو محاولته الحصول على تحويل " بإجازة مرضية" وراحة طبية الى طرابلس ومنها الى " راس الطبل"...
أسر لي بأمر يشغله، يخص " أهله" وعدته اني لن أبوح به!!
سبحان الله، ملامح وجهه قريبة من ملامح والدي،... ووجهه يعلوه " الشيب" وتبدو عليه قسوة الزمن!!
اسمع يا عمي،.. اسمع،.. انا بنعطيك راحة طبية شهر، وتحويل " عاجل" لطرابلس...
قفز من سرير الفحص وتغمرني، وعينيه تملائها الدموع، وهو يشكرني، ويدعو الله ان يوفقني، وان لا يريني مكروها في احدا من أهلي...... والكثير الكثير...
ويختم ويقول،.. الحمد لله بعد ست اشهور ألقيت من يسمعني!
أكملت أوراق التحويل، وأصريت ان أحملها بنفسي للتوقيع الى العقيد " محمد العباس" قبل سفرة..
......
في تلك الليلة، سألت نفسي؛ هل اخطأت بتحويلي هذا الرجل؟!
وانا استمع الى إذاعة " صوت الوطن العربي" تذكرت ان يوم الغد، هو الذكرى الأولي ويوم الانتصار على الإمبريالية العالمية، وذكرى إسقاط " ثلاثة وثلاثين" طائرة .......
وبين رضا ولوم على ما قمت به،... يبدو انني بدأت افهم في " النفسية"


حكاوي " بنينه" ( 19)
" رحم الله القصيمي"
يوم الأربعاء 15 ابريل 1987ميلادية
بدأت هذا اليوم في ساعاته الاولى، وانا استمع الى " تبقريف" الاستاذ " عبدالحميد" عبر موجات " صوت الوطن العربي" وهو يذكرنا بالنصر الكبير التي حققته " ليبيا" وانتصارها في ذلك اليوم على اعتى قوى الإمبريالية في العالم " أمريكا"، وكان لهذه الذكرى " الاولى" أشجان وأحاسيس اختلط فيها الخيال بالواقع.....
...
تابعت نشرة الأخبار وفيها توالت برقيات "التأييد والمبايعة" والتهنئة بهذه المناسبة العظيمة، التي يحتفل الشعب " المنتصر" لذكراها " الاولى"، وهو في غاية الفرح والسعادة، بانتصاره على قوى البغي والعدوان، وتصديه لستة وستين طائرة أقلعت من " حاملة الطائرات الامريكية" بريطانيا وعدوانها الغاشم على " ليبيا"، وإسقاط " ثلاث وثلاثين" منها بسواعد الابطال....
هو ذاته " الصوت" الذي كان يستنجد تلك الليلة بالمناضلين في كافة أنحاء المعمورة، للوقوف مع الشعب الليبي في صموده،... يا طياري موريتانيا،... يا طياري ارتيريا،... يا طياري العراق،... هلموا الى قلعة النضال...
كان للاحتفال بهذه الذكرى طعم خاص، وانا ارى " شواهد" هزيمة " وادي الدوم" امام ناظري، واسمع شهادتهم على ذلك السقوط المريع على ايدي " حفنة" من القوات التشادية على " تويوتات" فقط لا غير، وبالطبع مدعومين بقوة، بمعلومات " استخباراتية" دقيقة من القوات الفرنسية المتواجدة بالأرض التشادية وايضاً بمعلومات الأقمار الصناعية التى كانت تجوب الأجواء، ويمكن رؤيتها بكل بساطة في ساعات الليل، بسمائه الصافية...
ما كان " ربما"، يجهله ذلك المذيع، انني كنت شاهدا أيضاً على تلك الليلة 15 ابريل 1986 ميلادية!!!...
يومها، كنت طبيب امتياز مناوب في مستشفى 7 أكتوبر في مدينة بنغازي، وفي ذروة التصعيد والمواجهة بين النظام في " ليبيا" والإمبريالية العالمية متمثلة في زعيمته " أمريكا"، كانت احداث خليج التحدي، والمواجهة بين صقور السلاح الجوي الليبي و طياري الأسطول السادس الامريكي مادة إخبارية، خصوصا حين تطورت الى استهداف فرقاطات ليبية واغراقها...
كم كنت اشعر بالفخر، وصديقي وزميلي الطيار المقاتل " علي بوغراره" يحدثني عن طلعاتهم في تحدي للأمريكان الذين توغلوا في مياه خليج التحدي،..
تلك الليلة، تابعت موجز آخر الأخبار في غرفة الأطباء، وفيه خبر عن اجتماع عقده الرئيس الامريكي " ريغان" في منتجع نهاية الأسبوع " كامب ديفيد" سيء الصيت!!، مع مستشاريه حول " ليبيا"، وخلاصة الخبر ان الأمور على ما يرام، ومسيطرين على الموقف....
واصلت عملي بفحص مريض، مدرس " مصري" تخصص لغة انجليزية، التي كانت قد ألغيت " ما تلزمنا"، وهو يعاني من عوارض ارتفاع " ضغط الدم"، مما جرى له، بإنهاء عقده ورجوعه الى " ام الدنيا" بدون استعداد...
بدأت في تدوين حالته جالسا في غرفة التمريض، و " سارح" في مشكلته، ولم يقطع خيط أفكاري الا ذلك الصوت المزعج، " اختراق صوت" حقيقي لطيران حربي في ساعة متأخرة من الليل،... في بداية الامر ظننت ان نسور الجو الليبيين يستعرضون قوتهم او يقومون بمناورات ليلية،.. ولم تمضي الا ثواني واذ بصوت قوي، يشبه الأنفار الضخم يتبعه،.... ام.. ام ،.. هذا امر غريب،... مناورة ماشي الحال،... لكن " التقربيع" في نصف الليل ؟!!. هذا امر غريب....
هرعت على عجل الى السطح، اذ كنت في الدور الثاني للمستشفى، وما خطوت خطوة او اثنتين حتى مرت طائرتين على ارتفاع منخفض جداً جداً، متجهة من اتجاه البحر نحو داخل المدينة،.. وهنا أدركت ان الامر جد خطير؟!!...
التفتت الى يميني حيث جامعة قاريونس في الأفق البعيد، وكنت اعلم ان قاعدة صواريخ تقع في تلك الجهة، وشهدت ما يشبه لهب صاروخ، ظننته خرج منها متصديا لطائرات " المعتدين"،.. والتفت الى اليسار، وهنا رأيت وهج احمر يخترق عنان السماء في عمق المدينة،.........اذاً،.. انها الحرب،... انها الحرب...
اجتاحتني مشاعر التحدي، والرغبة في " الذود عن حياض الوطن" وكنت على استعداد ان اقدم نفسي رخيصة للدفاع عنه،.. مشاعر الغضب من أمريكا وسياستها وهي تعتدي على الوطن، لا يمكن قياسه،.. فكيف لها ان تتعدى على مدينة آمنه وأهلها نائمون في منتصف الليل؟!..
رجعت الى غرفة الأطباء، ووجدت النائب المناوب قد استيقظ من اثر الصوت المزعج،.. وبعد قليل أدركنا ان كل المرضى قد صحوا،.. أصبحوا يتهامسون ويتسائلون عن ما الذي يجري في البلاد؟!...
ونحن في " حوسه" وتلخبيطه" عن ما يجب ان نعمل، اذ لا وجود لخطط مسبقه،.. وبعد تقريبا اقل من نصف الساعة انقطعت الكهرباء وعم الظلام.......
بدأت أصوات ارجل الجنود وهي تطرق الطريق، وهم يهرعون الى القاعدة البحرية التي تجاور المستشفى تسمع بيسر،.. حينها ذهبت الى غرفة الأطباء وفتحت الراديو وإذاعة " صوت الوطن العربي" وأنغام الموسيقى لا زالت تصدح، ولم تمضي لحظات حتى انقطعت بصوت مذيع يعلن للعالم ان عدوان أمريكي غادر يقع الآن على مدينة " طرابلس"،.... لم يذكر غير " طرابلس"،.. وهنا تأكدت بانه لا يعلم او بالأصح "اولائك لا يعلمون" ما يجري في البلد الذي يحكمونه!!!.
...
اتصلت بكتيبة " دفاع جوي" في سبها آمرها احد أقاربي، لأجدهم " يغطون" في نوم عميق،.. وبعد انتظار تكلمت مع احد الضباط الذي يعرفني، وسألته عن الآمر،.. وبصوت هامس " راقد في البيت"؟!!.. يا الهي؟!
البلد تنتهك أجوائها وأنتم نائمون،... يا دكتور،.. احنا في طوارئ لينا كم عام!!!"
لم تبلغنا غرفة العمليات باي معلومات....،... أبلغته بان الأمريكان يقصفون بنغازي وطرابلس يا أفندي!!،.اجاب؛..صحيح باللهي؟!!.
من شدة خوفي على ابن عمي، بان يتهم بالتقصير،.. اتصلت ب" الوالد" في منتصف الليل وأخبرته بالذي يجري في بنغازي، وطلبت منه ان يبلغ الآمر، وذلك ما فعل....
....
بعد تقريبا الساعة وصلت سيارة إسعاف الى المستشفى، يطلبون ان يذهب معهم أطباء الى قاعدة " بنينه" التي استهدفها القصف،.. وكنت على أهبة الاستعداد، خصوصا ان المستشفى يحتاج ان يبقى فيه طبيب ذو خبرة،.. اذ لم يمضي على تخرجي شهرين..
في الطريق الى قاعدة " بنينه" وفي سيارة إسعاف " بيجو 504"، تسير اغلب الوقت في الظلام وإنارتها مطفأة، شهدت العديد من حوادث المرور والناس في " حيص بيص،...
وصلنا القاعدة، وكان في بوابتها ضابط برتبة " رائد" يحمل بندقية " كلاشنكوف" ومعه مجموعة جنود، سمحوا لنا بالدخول، الى الجهة التي كان بها العيادة، او ما يشبه العيادة.... حين وصلنا لم ندخل العيادة، فكل الموجودين كانوا بين الأشجار ومعهم القليل من الأدوية لا تكاد تذكر، منها السوائل والمحاليل الطبية وأدوات التغذية الوريدية،...
كان الخوف مسيطر على الجميع،... وسمعتهم يقولون ان الأمريكان عملوا " إنزال" مظلي في آخر القاعدة ...
معظم المصابين من القصف أخلوا قبل وصولنا، ولكن شهدت الجزء الأخير منهم، او بالأصح اشلائهم في منظر مرعب، وهم عبارة عن بقايا لحم آدمي محروق ومغطي بالتراب والقش وغيرها من خشاش الارض...
مناظر تنفطر منها القلوب،..
ما إثارني، ووجدت فيه استغراب ان كل الجنود الذين بالداخل " بدون سلاح" نعم " بدون سلاح"،... وكانوا يودون الهروب، ولكن يمنعونهم عند الباب....
أهكذا كانت الاستعدادات للتصدي للقوة الإمبريالية التي كنا نقارع أساطيلهما؟!!!!!!!!!!
ونحن على هذا الحال دوت صفارات الإنذار، تنبئ باحتمال " غارة" اخرى على قاعدة " بنينه"،.. وأخد الجنود حالة الانبطاح،.. وسارعت كذلك بالقيام بنفس الشيء، الا انني أخدت وقت أطول وانا اتوكأ ، اذ انني لم يسبق لي القيام بذلك على عجل ولم البس قيافة عسكرية ؟؟!.. وانا على هذه الحال ظننت ان تلك الصواريخ ستخترق ظهري فالتصقت بالأرض اكثر فاكثر،.. وكأني بذلك أنجو منها؟!..
وفي تلك اللحظات الحاسمة ودوي صوت صفارات الإنذار يصم الأذن،.. التفتت الى عسكري بجانبي وهو " يعنف" مجندة أخدت وضع " انبطاح" ولكنها كانت في وضع لا تعرف تضحك ام تبكي من رؤيته، وهي تبكي ،.. يا نا عليّ يا اميمتي،.. يا عليّ يا اميمتي،.. وهو يرد عليها،... وانت ايش جابك هانياهي؟!!...
استمر الحال بين وقوف وانبطاح لمدة الساعة تقريبا، ولم يخرجني منه الا قدوم عسكري بقيافة محترمة، مقدم في الجيش السوري او من " السرب"،.. وطلبوا مني مرافقته الى مستشفى الجلاء،.. حينها قال، ان فريقه يتكون من خمس وثلاثين، تمم عليهم جميعا ولا يفتقد الا أثنين، يود ان يبحث عنهم ليتأكد هل هم من الجرحى او الشهداء؟...
رجعنا الى مستشفى الجلاء، وقت الفجر " قبله او بعده"، وحالة من الهرج والمرج تعم المكان، لا مسؤول ولا قيادة، الكثير من " الفزعة" وخصوصا الأطباء وعلى رأسهم الاستاذ الدكتور عبدالرازق الزواوي ( رحمه الله) رئيس أقسام الجراحة ببنغازي...... الأطباء والممرضين يقومون بما يستطيعون، والممرات ممتلئة بهم، حتى طلبة كلية الطب، كانوا من الحاضرين،.......ولكن لا وجود الى مؤسسة أمنية او عسكرية تنظم الامر او تظهر صفات القيادة من مثل هذا الامر الجلل!.
ذهبنا الى "ثلاجة الموتى"، لأرى أشلاء، أطفال، نساء، شيوخ، وبعض العسكريين تتعرف اليهم ببقايا ملابسهم، مناظر تضل مطبوعة في الذاكرة ولا تمحوها السنين. مشاعر الفخر بالتصدي، والأسى للأرواح التي قُتلت ظلما وعدوانا وهم آمنين في بيوتهم... آه يا أمريكا......
رجعنا الى الأقسام الجراحية، ووجدنا المفقودين من " السرب" السوري، ومباشرة، أبلغ المقدم قيادته في دمشق عن الوضع الأمني وحالة جنوده وضباطه،....حينها كان كل الليبيين الذين رايتهم " هرديميسة" بكل ما تعني الكلمة!!!
رجعت الى غرفتي قبل الظهر، والوجوه شاحبة وعليها علامات الأسى من الحالة التي فيها البلاد من شبه انهيار، وأعقب ذلك فترة تمزيق " تشريك" ملفات المثابات الثورية، والخوف من القادم، اذ لم يخرج على الاعلام احد يبلغ الناس عن سلامة " القيادة".....
هربت الناس الى خارج المدينة، وشهدت مرتفعات " الرجمة" نزوح من يطلبون الأمن والأمان من بيوتهم نائمين في " الخلاء" ليبزغ الفجر ونور الشمس عليهم وهم نيام بجانب المعسكرات المستهدفة؟!...
... خرجت " القيادة" متمثلة في من ينوب عنها، لتعلم العالم عن سلامة " القيادة" من الموت وانتصار " ليبيا" على القوة الباغية، وتوالت طوال اليوم البلاغات عن حطام طائرات أمريكا على الأرضي الليبية..
الحصيلة كانت إسقاط " طائرة أمريكية" ومقتل طيارين اثنين.......
وبذلك دخلت " ليبيا" التاريخ ومنظومة الدول " العظمى" التي لا تقهر....
......
اين ذلك من هولاء الذين جاؤوا الى "العيادة الطبية" حفاة بين الحياة والموت، هاربين من معركة " وادي الدوم" تاركين ورائهم المئات من القتلى لتغطيهم رمال الصحراء ويطويهم " النسيان"...
رحم الله عبدالله القصيمي " العرب ظاهرة صوتية".....