إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 20 مارس 2015

الجزء السادس من حكاوي بنينه




حكاوي " بنينه" ( 18)
بدأت افهم في " النفسية"
يوم الثلاثاء 14 ابريل 1987ميلادية، توافد على العيادة المزيد من الجنود الذين ضلوا طريقهم عند الهروب من معركة " وادي الدوم" - اذا صح ان تسمى معركة - وسقوطة في ايدي القوات التشادية يوم 18 مارس 1987 ميلادية،.. ما حكوه من قصص ومواقف يشيب منها الرضيع وتذهل منه الحوامل،.. " سقوط مريع"،... بكل معنى الكلمة
اول الحاضرين الى العيادة في صباح ذلك اليوم، لا زالت صورته عالقة في الذهن، ..كان يعاني من جفاف شديد جداً، مقاربا على الموت، مشى حافي القدمين أكثر من مئة كيلومتر، وعدة مرات توقف ظانا انه لن يقوم من نومته، بعد ان اعياه التعب والجوع والعطش، تحرقه أشعة الشمس، وتلفحه رياح الصحراء الجافة،.. ولولا أردة الله لما اهتدى الى منعرج في طريقة هداه الى حيث وجد، وهو في الرمق الأخير....
...
عينيه الزائغتين، ولسانه اليابس، بالرغم من القطرات التي سقوه بها، كانت اهم ملامحه،.. لم تكن له قدرة على الكلام في اول الامر،.. سارعنا الى إسعافه وهو بين الحياة والموت،.. وجدت صعوبة في إيجاد اي عرق من عروقه فقد ازاغها الجفاف،.. وعندها كانت عدة الجراحة الصغيرة وسيلة للبحث عن عروقه في القدم، وعلى عجل بدأنا في تغذيته بالسوائل، وتبليله بالماء،... ساعتين على احر من الجمر، وانا ادخل عليه بين الحين والآخر، انتظر ان اجد قطرة بول " واحدة"،.. اذ ذلك ما كان يؤرقني،.. هل فشلت الكليتين،.. ام حفظهما " حافظ السموات والأرض"...
بعد اربع ساعات، دخل " بنينه" يبلغني ان رأى " قطيرات" بول" كيف لون الشاهي في " التوبو" يا دكتور....
لا اجد حتى اليوم ما يعبر عن " الفرحة" بمثل هذا الخبر، وهو " قطيرات" من البول،.. اذ بحياة هذا الانسان " معنى الحياة" كلها.....
ساعة بعد ساعة، ابتلت عروقه واستعاد وعيه، وبدا يحدثنا عن محنته بعد ان انقطعت عنهم الاتصالات، فلا علم لهم بما يجري في "قاعدة الدوم" وهم الذين يحرسون أطرافها الشمالية،...
رجليه متقرحة وكانها أحرقت بالنار، كانت في حاجة الى العناية أكثر بكثير مما احتاجه " مصطفى"...
.......
يا الهي،.... كم من الجنود والضباط الليبيين الذين قضوا من " العطش" بعد ان تيبست أبدانهم وجفت عروقهم تائهين في هذه الصحراء الواسعة؟!!.
قبل الغذاء، أتى الى العيادة عسكري وطلب ان يتكلم معي، ناقلا رسالة من العقيد" محمد العباس"!.. تفضل،.. ادخل. ... لا لا انا مستعجل،. انا بس جاي نقولك ان سيادة الأفندي العقيد " محمد" عازمك على الغذاء في " بهو الضباط"،.. وهو حيجيك للعيادة وقت الغذاء..... حاضر ان شاء الله ...
أبلغت " بنينه" بالأمر، ولم تمضي الا لحظات وجاء سيادته للعيادة،.. بعد التحية،.. اطمئن على " الكبانية"،... ثم وجه كلامه الي؛ هيا هيا نتوكلوا على الله،... الغذاء يراجي!
ركبت معه، وما ان تحركت السيارة حتى توجه بها عكس اتجاه " البهو"،.. وبعد برهة سألني،.. أه ... كيف اخبارك يا دكتور؟!
الحمد لله،.. الحمد لله مرتاح، والجماعة متعاونين، والمرضى أمورهم الحمد لله،.. فيه حالتين عملت ليهم تحويل لطرابلس ووافقوا عليه مشكورين ..
وكيف الحالات يا دكتور؟!..
والله كيف المعتاد،.. بس والله... والله ...أيه لا كلهم حالهم باهي ( كنت أودّ ان احكي عن حالات الدوم، ثم قلت " بدل ساعة بساعة")....
احكي يا دكتور... احكي ...
والله يا أفندي،.. واجعيني حالات " الدوم"،.. لا حول الله كيف صار؟!!.... انا مستغرب،.. وماني مصدق!!
لا لا يا دكتور،.. صدق كل اللي تحق فيه، الجيش معنوياته " صفر" في " الوطا"..
ثم اسهب في الحديث؛
يا دكتور،.. الجيش أدمر،.. من فترة أدمر،.. هذه سياسة؟!..
تصدق يا دكتور، انه "عريف" يحكم في كتيبة فيها ضباط ؟!
تصدق يا دكتور، ما حد من الضباط الكبار راضي على اللي صاير،... لكن من يقدر يقول " لا"؟!
الجيش أدمر، ولا تدريب، ولا أعداد، كل اللي تحق فيهم من " التجييش" في حرب ورائها فرنسا، ومصر، وأمريكا.
اليوم، اللي راضيين عليه في " كتيبة أمنية" وهاذين لحماية " النظام"،.. والجيش اصبح " خردة"..
احنا غير راضيين، لكن لا احد يسمع ؟!!
.....
شعرت بالحسرة والصدق في كلامه،.. ولكن لم أشارك باي كلمة ربما تحسب عليّ، بالرغم من الاطمئنان الذي اشعر به نحوه... ربما أحسست انه هو " يفرج" على نفسه ويفرغ في شحنة من الغضب!!
استمر في الحديث،.. انا حبيت نبلغك اني مسافر في " مأمورية" غداً ، وان المقدم " مفتاح" هو الآمر بالوكالة بعد ما نسافر!... بس ولا يهمك،.. ولا تخاف منه،..
لا ادري اذا كانت كلماته ساعدت على ارتياحي ام ادخلت الخوف من جديد على ما تحمله الأيام القادمة؟!!..
وصلنا " للبهو" والغذاء الذي أعده خدمات غرفة " القيادة" جاهز للأكل...وباقي الضباط وكأنهم كانوا في انتظاره..
تشعب الحديث على وجبة الغذاء، وحينها شعرت ان هدفه كان إذابة " الجليد" مع المقدم " مفتاح"، الذي عّرفني عليه مجددا هذه المرة، مضيفا؛ تعال سلم وَبَارِكْ للعقيد " مفتاح" الذي كان بالطبع يلبس الرتبة العسكرية..
كان في الحديث الكثير من المودة بين الجميع، ولا كلام على " وادي الدوم" او حالة الجنود ومعنوياتهم.
ودعني العقيد " محمد" بعد ان أصر ان يوصلني بالسيارة، وعند نزولي، قال؛ كلام السيارة يقعد في السيارة!!، أومأت اليه بالموافقة.
داومت العمل في الفترة المسائية، بالذهاب ومتابعة حالة المريض الذي يعاني الجفاف، و بدا اكثر نشاط مما كان عليه، ولون البول اقل قتامة مع زيادة في كميته،.. فرحت وطمئنته على حاله، وانه وبفضل الله يتعافى..
...
ما ان جلست على الكرسي حتى دخل مريض، كبير في السن " يتلوى" ويصرخ من شدة الألم وكلتا يديه تقبض على حضنه!!.. ما ان تراه حتى تخمن ان يعاني أعراض " حصوة في الحالب"،.. تقدمت اليه وساعدته على الجلوس،.. ثم غيرت رايي، ونقلته الى سرير الفحص،. وبعد تاريخ مرضي سريع استنتجت منه ان عمره خمسون سنة، ودخل الجيش عن طريق التجييش الإجباري، متزوج وله ثمانية ابناء...
بعد ان تأكدت من خلوه من الحساسية للأدوية، هممت بحقنه بإبرة تخفف عنه الألم،.. بالرغم من شعوري انه فيه " ها ماها"...
قبل ان احقنه، سألته هل عنده الم في راسه أيضاً، فأجاب بنعم؟
ثم سألته،.. وهل يولمك كتفك الأيسر ورجلك اليمنى، فأجاب بنعم؟
عندها، شككت، وسألته، وهل عندك دم مع البراز ( حاشاكم الله)، فأجاب بنعم؟
او.. او،.. قلت في " نفسي" راجي شوي قبل الإبرة، خليني نحكي معاه!!...
أعطيته حبة " اسبيرو"،.. وداومت الحديث،.. منين انت يا عمي؟!
انا من " مزدة"،.. من " راس الطبل"،.. في " مزدة"،... تعرف " مزدة" يا دكتور....
يا سلام، كيف لا يا، ومن ما يعرف " مزدة" ..... يا عمي
وكل ما شاغلته في الكلام نقصت آلامه حتى عدل من وضعه على السرير،.. وبداء " يهدرز" ..." لا بيه، لا عليه"!!
وكيف حال الأولاد؟
خرجت " زفرة" من صدره تحمل كدر وغم، كأنك تراه مجسدا أمامك!
الأولاد، ليا ست اشهور ما شفتهم!!.. والله ماني عارف كيف صاير فيهم؟!!..
لا عارف كيف مدارسهم، وايش صاير في " الشويهات"،.. حالة يا دكتور
الخلاصة،.. ان ما جاء به للعيادة هو محاولته الحصول على تحويل " بإجازة مرضية" وراحة طبية الى طرابلس ومنها الى " راس الطبل"...
أسر لي بأمر يشغله، يخص " أهله" وعدته اني لن أبوح به!!
سبحان الله، ملامح وجهه قريبة من ملامح والدي،... ووجهه يعلوه " الشيب" وتبدو عليه قسوة الزمن!!
اسمع يا عمي،.. اسمع،.. انا بنعطيك راحة طبية شهر، وتحويل " عاجل" لطرابلس...
قفز من سرير الفحص وتغمرني، وعينيه تملائها الدموع، وهو يشكرني، ويدعو الله ان يوفقني، وان لا يريني مكروها في احدا من أهلي...... والكثير الكثير...
ويختم ويقول،.. الحمد لله بعد ست اشهور ألقيت من يسمعني!
أكملت أوراق التحويل، وأصريت ان أحملها بنفسي للتوقيع الى العقيد " محمد العباس" قبل سفرة..
......
في تلك الليلة، سألت نفسي؛ هل اخطأت بتحويلي هذا الرجل؟!
وانا استمع الى إذاعة " صوت الوطن العربي" تذكرت ان يوم الغد، هو الذكرى الأولي ويوم الانتصار على الإمبريالية العالمية، وذكرى إسقاط " ثلاثة وثلاثين" طائرة .......
وبين رضا ولوم على ما قمت به،... يبدو انني بدأت افهم في " النفسية"


حكاوي " بنينه" ( 19)
" رحم الله القصيمي"
يوم الأربعاء 15 ابريل 1987ميلادية
بدأت هذا اليوم في ساعاته الاولى، وانا استمع الى " تبقريف" الاستاذ " عبدالحميد" عبر موجات " صوت الوطن العربي" وهو يذكرنا بالنصر الكبير التي حققته " ليبيا" وانتصارها في ذلك اليوم على اعتى قوى الإمبريالية في العالم " أمريكا"، وكان لهذه الذكرى " الاولى" أشجان وأحاسيس اختلط فيها الخيال بالواقع.....
...
تابعت نشرة الأخبار وفيها توالت برقيات "التأييد والمبايعة" والتهنئة بهذه المناسبة العظيمة، التي يحتفل الشعب " المنتصر" لذكراها " الاولى"، وهو في غاية الفرح والسعادة، بانتصاره على قوى البغي والعدوان، وتصديه لستة وستين طائرة أقلعت من " حاملة الطائرات الامريكية" بريطانيا وعدوانها الغاشم على " ليبيا"، وإسقاط " ثلاث وثلاثين" منها بسواعد الابطال....
هو ذاته " الصوت" الذي كان يستنجد تلك الليلة بالمناضلين في كافة أنحاء المعمورة، للوقوف مع الشعب الليبي في صموده،... يا طياري موريتانيا،... يا طياري ارتيريا،... يا طياري العراق،... هلموا الى قلعة النضال...
كان للاحتفال بهذه الذكرى طعم خاص، وانا ارى " شواهد" هزيمة " وادي الدوم" امام ناظري، واسمع شهادتهم على ذلك السقوط المريع على ايدي " حفنة" من القوات التشادية على " تويوتات" فقط لا غير، وبالطبع مدعومين بقوة، بمعلومات " استخباراتية" دقيقة من القوات الفرنسية المتواجدة بالأرض التشادية وايضاً بمعلومات الأقمار الصناعية التى كانت تجوب الأجواء، ويمكن رؤيتها بكل بساطة في ساعات الليل، بسمائه الصافية...
ما كان " ربما"، يجهله ذلك المذيع، انني كنت شاهدا أيضاً على تلك الليلة 15 ابريل 1986 ميلادية!!!...
يومها، كنت طبيب امتياز مناوب في مستشفى 7 أكتوبر في مدينة بنغازي، وفي ذروة التصعيد والمواجهة بين النظام في " ليبيا" والإمبريالية العالمية متمثلة في زعيمته " أمريكا"، كانت احداث خليج التحدي، والمواجهة بين صقور السلاح الجوي الليبي و طياري الأسطول السادس الامريكي مادة إخبارية، خصوصا حين تطورت الى استهداف فرقاطات ليبية واغراقها...
كم كنت اشعر بالفخر، وصديقي وزميلي الطيار المقاتل " علي بوغراره" يحدثني عن طلعاتهم في تحدي للأمريكان الذين توغلوا في مياه خليج التحدي،..
تلك الليلة، تابعت موجز آخر الأخبار في غرفة الأطباء، وفيه خبر عن اجتماع عقده الرئيس الامريكي " ريغان" في منتجع نهاية الأسبوع " كامب ديفيد" سيء الصيت!!، مع مستشاريه حول " ليبيا"، وخلاصة الخبر ان الأمور على ما يرام، ومسيطرين على الموقف....
واصلت عملي بفحص مريض، مدرس " مصري" تخصص لغة انجليزية، التي كانت قد ألغيت " ما تلزمنا"، وهو يعاني من عوارض ارتفاع " ضغط الدم"، مما جرى له، بإنهاء عقده ورجوعه الى " ام الدنيا" بدون استعداد...
بدأت في تدوين حالته جالسا في غرفة التمريض، و " سارح" في مشكلته، ولم يقطع خيط أفكاري الا ذلك الصوت المزعج، " اختراق صوت" حقيقي لطيران حربي في ساعة متأخرة من الليل،... في بداية الامر ظننت ان نسور الجو الليبيين يستعرضون قوتهم او يقومون بمناورات ليلية،.. ولم تمضي الا ثواني واذ بصوت قوي، يشبه الأنفار الضخم يتبعه،.... ام.. ام ،.. هذا امر غريب،... مناورة ماشي الحال،... لكن " التقربيع" في نصف الليل ؟!!. هذا امر غريب....
هرعت على عجل الى السطح، اذ كنت في الدور الثاني للمستشفى، وما خطوت خطوة او اثنتين حتى مرت طائرتين على ارتفاع منخفض جداً جداً، متجهة من اتجاه البحر نحو داخل المدينة،.. وهنا أدركت ان الامر جد خطير؟!!...
التفتت الى يميني حيث جامعة قاريونس في الأفق البعيد، وكنت اعلم ان قاعدة صواريخ تقع في تلك الجهة، وشهدت ما يشبه لهب صاروخ، ظننته خرج منها متصديا لطائرات " المعتدين"،.. والتفت الى اليسار، وهنا رأيت وهج احمر يخترق عنان السماء في عمق المدينة،.........اذاً،.. انها الحرب،... انها الحرب...
اجتاحتني مشاعر التحدي، والرغبة في " الذود عن حياض الوطن" وكنت على استعداد ان اقدم نفسي رخيصة للدفاع عنه،.. مشاعر الغضب من أمريكا وسياستها وهي تعتدي على الوطن، لا يمكن قياسه،.. فكيف لها ان تتعدى على مدينة آمنه وأهلها نائمون في منتصف الليل؟!..
رجعت الى غرفة الأطباء، ووجدت النائب المناوب قد استيقظ من اثر الصوت المزعج،.. وبعد قليل أدركنا ان كل المرضى قد صحوا،.. أصبحوا يتهامسون ويتسائلون عن ما الذي يجري في البلاد؟!...
ونحن في " حوسه" وتلخبيطه" عن ما يجب ان نعمل، اذ لا وجود لخطط مسبقه،.. وبعد تقريبا اقل من نصف الساعة انقطعت الكهرباء وعم الظلام.......
بدأت أصوات ارجل الجنود وهي تطرق الطريق، وهم يهرعون الى القاعدة البحرية التي تجاور المستشفى تسمع بيسر،.. حينها ذهبت الى غرفة الأطباء وفتحت الراديو وإذاعة " صوت الوطن العربي" وأنغام الموسيقى لا زالت تصدح، ولم تمضي لحظات حتى انقطعت بصوت مذيع يعلن للعالم ان عدوان أمريكي غادر يقع الآن على مدينة " طرابلس"،.... لم يذكر غير " طرابلس"،.. وهنا تأكدت بانه لا يعلم او بالأصح "اولائك لا يعلمون" ما يجري في البلد الذي يحكمونه!!!.
...
اتصلت بكتيبة " دفاع جوي" في سبها آمرها احد أقاربي، لأجدهم " يغطون" في نوم عميق،.. وبعد انتظار تكلمت مع احد الضباط الذي يعرفني، وسألته عن الآمر،.. وبصوت هامس " راقد في البيت"؟!!.. يا الهي؟!
البلد تنتهك أجوائها وأنتم نائمون،... يا دكتور،.. احنا في طوارئ لينا كم عام!!!"
لم تبلغنا غرفة العمليات باي معلومات....،... أبلغته بان الأمريكان يقصفون بنغازي وطرابلس يا أفندي!!،.اجاب؛..صحيح باللهي؟!!.
من شدة خوفي على ابن عمي، بان يتهم بالتقصير،.. اتصلت ب" الوالد" في منتصف الليل وأخبرته بالذي يجري في بنغازي، وطلبت منه ان يبلغ الآمر، وذلك ما فعل....
....
بعد تقريبا الساعة وصلت سيارة إسعاف الى المستشفى، يطلبون ان يذهب معهم أطباء الى قاعدة " بنينه" التي استهدفها القصف،.. وكنت على أهبة الاستعداد، خصوصا ان المستشفى يحتاج ان يبقى فيه طبيب ذو خبرة،.. اذ لم يمضي على تخرجي شهرين..
في الطريق الى قاعدة " بنينه" وفي سيارة إسعاف " بيجو 504"، تسير اغلب الوقت في الظلام وإنارتها مطفأة، شهدت العديد من حوادث المرور والناس في " حيص بيص،...
وصلنا القاعدة، وكان في بوابتها ضابط برتبة " رائد" يحمل بندقية " كلاشنكوف" ومعه مجموعة جنود، سمحوا لنا بالدخول، الى الجهة التي كان بها العيادة، او ما يشبه العيادة.... حين وصلنا لم ندخل العيادة، فكل الموجودين كانوا بين الأشجار ومعهم القليل من الأدوية لا تكاد تذكر، منها السوائل والمحاليل الطبية وأدوات التغذية الوريدية،...
كان الخوف مسيطر على الجميع،... وسمعتهم يقولون ان الأمريكان عملوا " إنزال" مظلي في آخر القاعدة ...
معظم المصابين من القصف أخلوا قبل وصولنا، ولكن شهدت الجزء الأخير منهم، او بالأصح اشلائهم في منظر مرعب، وهم عبارة عن بقايا لحم آدمي محروق ومغطي بالتراب والقش وغيرها من خشاش الارض...
مناظر تنفطر منها القلوب،..
ما إثارني، ووجدت فيه استغراب ان كل الجنود الذين بالداخل " بدون سلاح" نعم " بدون سلاح"،... وكانوا يودون الهروب، ولكن يمنعونهم عند الباب....
أهكذا كانت الاستعدادات للتصدي للقوة الإمبريالية التي كنا نقارع أساطيلهما؟!!!!!!!!!!
ونحن على هذا الحال دوت صفارات الإنذار، تنبئ باحتمال " غارة" اخرى على قاعدة " بنينه"،.. وأخد الجنود حالة الانبطاح،.. وسارعت كذلك بالقيام بنفس الشيء، الا انني أخدت وقت أطول وانا اتوكأ ، اذ انني لم يسبق لي القيام بذلك على عجل ولم البس قيافة عسكرية ؟؟!.. وانا على هذه الحال ظننت ان تلك الصواريخ ستخترق ظهري فالتصقت بالأرض اكثر فاكثر،.. وكأني بذلك أنجو منها؟!..
وفي تلك اللحظات الحاسمة ودوي صوت صفارات الإنذار يصم الأذن،.. التفتت الى عسكري بجانبي وهو " يعنف" مجندة أخدت وضع " انبطاح" ولكنها كانت في وضع لا تعرف تضحك ام تبكي من رؤيته، وهي تبكي ،.. يا نا عليّ يا اميمتي،.. يا عليّ يا اميمتي،.. وهو يرد عليها،... وانت ايش جابك هانياهي؟!!...
استمر الحال بين وقوف وانبطاح لمدة الساعة تقريبا، ولم يخرجني منه الا قدوم عسكري بقيافة محترمة، مقدم في الجيش السوري او من " السرب"،.. وطلبوا مني مرافقته الى مستشفى الجلاء،.. حينها قال، ان فريقه يتكون من خمس وثلاثين، تمم عليهم جميعا ولا يفتقد الا أثنين، يود ان يبحث عنهم ليتأكد هل هم من الجرحى او الشهداء؟...
رجعنا الى مستشفى الجلاء، وقت الفجر " قبله او بعده"، وحالة من الهرج والمرج تعم المكان، لا مسؤول ولا قيادة، الكثير من " الفزعة" وخصوصا الأطباء وعلى رأسهم الاستاذ الدكتور عبدالرازق الزواوي ( رحمه الله) رئيس أقسام الجراحة ببنغازي...... الأطباء والممرضين يقومون بما يستطيعون، والممرات ممتلئة بهم، حتى طلبة كلية الطب، كانوا من الحاضرين،.......ولكن لا وجود الى مؤسسة أمنية او عسكرية تنظم الامر او تظهر صفات القيادة من مثل هذا الامر الجلل!.
ذهبنا الى "ثلاجة الموتى"، لأرى أشلاء، أطفال، نساء، شيوخ، وبعض العسكريين تتعرف اليهم ببقايا ملابسهم، مناظر تضل مطبوعة في الذاكرة ولا تمحوها السنين. مشاعر الفخر بالتصدي، والأسى للأرواح التي قُتلت ظلما وعدوانا وهم آمنين في بيوتهم... آه يا أمريكا......
رجعنا الى الأقسام الجراحية، ووجدنا المفقودين من " السرب" السوري، ومباشرة، أبلغ المقدم قيادته في دمشق عن الوضع الأمني وحالة جنوده وضباطه،....حينها كان كل الليبيين الذين رايتهم " هرديميسة" بكل ما تعني الكلمة!!!
رجعت الى غرفتي قبل الظهر، والوجوه شاحبة وعليها علامات الأسى من الحالة التي فيها البلاد من شبه انهيار، وأعقب ذلك فترة تمزيق " تشريك" ملفات المثابات الثورية، والخوف من القادم، اذ لم يخرج على الاعلام احد يبلغ الناس عن سلامة " القيادة".....
هربت الناس الى خارج المدينة، وشهدت مرتفعات " الرجمة" نزوح من يطلبون الأمن والأمان من بيوتهم نائمين في " الخلاء" ليبزغ الفجر ونور الشمس عليهم وهم نيام بجانب المعسكرات المستهدفة؟!...
... خرجت " القيادة" متمثلة في من ينوب عنها، لتعلم العالم عن سلامة " القيادة" من الموت وانتصار " ليبيا" على القوة الباغية، وتوالت طوال اليوم البلاغات عن حطام طائرات أمريكا على الأرضي الليبية..
الحصيلة كانت إسقاط " طائرة أمريكية" ومقتل طيارين اثنين.......
وبذلك دخلت " ليبيا" التاريخ ومنظومة الدول " العظمى" التي لا تقهر....
......
اين ذلك من هولاء الذين جاؤوا الى "العيادة الطبية" حفاة بين الحياة والموت، هاربين من معركة " وادي الدوم" تاركين ورائهم المئات من القتلى لتغطيهم رمال الصحراء ويطويهم " النسيان"...
رحم الله عبدالله القصيمي " العرب ظاهرة صوتية".....


الجزء الخامس من حكاوي بنينه



حكاوي " بنينه" ( 16)

" شفرة"

بعد خمسة ايام من بدء العمل في العيادة أصبحت أشعر بالراحة والاطمئنان من انني أستطيع التعامل مع الحالات المرضية بطريقة معقولة، ويبدو ان حالة من الرضا شاعت في القاعدة على طريقة العمل وساعات الدوام. وما أسعدني أكثر هو الشباب " الكبانية" الذين استطاعوا ان يخلقوا جوا أعطى العيادة حيوية، جعلت من اغلب الضباط يمر بها للتحية او استشارات بسيطة و" هدرزة" عالماشي والجنود كذلك...
لاحضت ان عدد كبير من الجنود الصغار في السن جاؤوا يوم أمس بأعراض " الكحة" الجافة، ولم يكن من بينهم احد بكحة مصحوبة ب "البلغم"، أعطيت المجموعة الاولى شراب " شروبو" يساعد على إيقاف عارض " الكحة"، ولكن عندما زاد العدد أكثر، بدأت في الفحص بدقة حتى لا أغفل اي نوع من " الحميات" فكانت الحرارة طبيعية ولا توجد اي حشرجة عند سماع الصدر ب " السماعة".....
احترت في الامر، وبدأت أخمن في " السر" وراء هذه الزيادة الملحوظة، حتى ان احدهم دخل، وطلب الدواء اللي عطيته زيه " سمير"........ سألته، ومن " سمير" هذا ؟!
" سمير" هاذاكا اللي جي امبدري،.. واعطيتوه شيشه " شروبو"؟!...متاع " اكتيفيد" عرفتا يا دكتور ... شيشه
" اكتيفيد"،... وانا يا دكتور عندي " الكحة" هلبه .. هلبه،... تقدر تعطيني " زوز"؟!.....

وانا قاعد نحلل ونفسر في الكلام،.. وحايس، دخل على الخط " بنينه"،... عدي روح،... عدي روح خيرك،... قتلك روح ....،.. استغربت وهممت ان أكلمه، الا ان الطرق على الباب إثارني فالتفت اليه،.. تفضل.. تفضل ...
فتح الباب، وبرز راس احد الشباب في العيادة،.. يا " بنينه" الجماعة طالبينك،.. " الجماعة" مع غمزة خفيفة ،.. رد " بنينه" يستر الله يا دكتور،...
وقبل ان يخرج،.. التفت الي وقال يا دكتور،... الصناديق يللي فيهن " اكتيفيد" سع نكلم " الكبانية" يرفعوهن لدارك، .... اطمرهن تحت السرير؟!!.....
......
فحصت المريض، ونفس القصة كيف جماعته " كحة" بدون اي أعراض اخرى،... عطيته شيشه " شروبو"،... وطلب الثانية،.. فقلت له انت اكمل الاولى وبعدين تعال مرة اخرى اذا ما تحسنت!!..
رجع " بنينه" بعد خروج المريض، وابلعني ان جماعة الأمن هم الذين طلبوه ويريدون التحقيق معه على الكلام المشفر الذي قاله في جهاز اللاسلكي في " الكفرة"..... ان شاء الله خير،... ما تخافش،... لا ما عندي عليش خايف يا دكتور .......

لم يرجع " بنينه" الا عند وقت الغذاء،.. وما ان وصل، حتى استجوبوه من جديد، أصدقائه " الكبانية"...
كنهم،.. كنهم،.. ايش يريدو فيك؟!....
بداء الحديث عن استجوابه، وقال؛
يا سيدي،.. نا بيدي اول ما قمعزت،.. قاللي فيش اتخطط ؟!..
قلتله،.. والله كان أسخر الحال،.. نا بيدي نريد نتزوج،.. وعيث " مريم" صابرين" من زمان ليهم خمس اسنين،.. وانا نخطط،.. لكن بيش؟!!... " العين بصيرة واليد قصيرة"،... وتما الجماعة يضحكوا... كيخ كيخ كيخ،....
قلتلهم،.. كنكم يا عرب،.. وهال الكلام اللي عليته فيهش ما يضحك؟!!...
قالوا،.. لا لا يا " بنينه" نحنا نريدو نعرفوا أيش تقصد ب " بيعك تفريط، يام قشاشيط"؟!...
وهما قالوها،.. وتو عاد دوري نا،.. قلت كيفهم كيخ كيخ كيخ،... وقعدت نضحك،.. والله من ضحكت لين بطلت!!
قلتلهم،.. وهذا عليش جايبيني هانياهي؟!..
ايوه يا " بنينه"..
قلت لا تخطيط لا تزمعيط،.. ولا حاجه،... نا بيدي " موال" وعندنا غلم،.. وقت تسخن الدنيا،.. موسم " اجلامه"،.. تعرفوا " الجّلامه"،.. واحد هز راسه عارفا،.. وإلاخر قال لا مانعرفاش....
قلتله،.. ريت " الثنيان" و " الحوليات" وقت ايجلموهن،.. يخلو فيهن شوية صوف على ظهورهن، نقولولها " قشوطه"،.. ونا بيدي نحكي معا صاحبي هانياهي،.. حكينا على الغلم،.. خطرن عليا،... قلتها،.. " بيعك تفريط، يام قشاشيط"،.. وهذا حدها.....
وانتو،.. جماعة " الدعم لكتروني" ما لقيتوا ما تديروا ،.. جيبتوني هانياهي،...نا بيدي، حاسبكم تصنتوا على " التشادية"،.. عطبك عليك زمانات،....
....
وعاودوا التحقيق ثلاث مرات،.. بلكي يحسابوا نغير كلامي!!!.
....
وما ان انتهى من كلامه،. حتى وقف احدهم وبدئ التمجريد،...

بيعك تفريط :: يام قشاشيط ......شوط
دارو تحقيق :: " بنينه" وحوليه تشوشيط......شوط
وفي جو احتفالي تهكمي قضوا لحظات وهم يضحكون على " الدعم لكتروني" الذي رصد معلومة حساسة تهدد الأمن القومي،.. حول غلم " بنينه"......
..............
في العيادة المسائية،.. استمر الطلب على شروبو " اكتيفيد" عيني عينك، و " الكبانية" سمعوا كلام " بنينه" ووضعوا كل الكمية تقريبا بصناديقها تحت سريري، اي بين" البلكات"،...
سألتهم،.. لماذا الطلب زاد على " اكتيفيد" وهل عندكم " الكحة" حتى أنتم؟!...
لا لا يا دكتور،... لا " كحة" لا سو،.. هاذيم " يسمطوا" فيها؟!!...
ايش يعني " يسمطوا" فيها؟!!
يعني ياخدو في جو يا دكتور، ياخدو في جو،.... شروبو " اكتيفيد" يدوخ ويخليك عايش جوك تمام!!!
وانا مذهول،... قصدكم،.. كل الذين اتو في الصباح والمساء ويوم أمس " يسمطوا" فيها؟!....

يا دكتور،.. هنا ما عندك ما تعمل،.. والجماعة اللي روحوا من " وادي الدوم" فيه منهم اللي مازال " متهستر"،... وموش مصدق انه رجع حي،... يا دكتور راه الجماعة وضعهم صعب!!
ما حد حتى حكا معاهم،.. او شرح لهم الأسباب،.. وقال لهم من مات ومن لا يزال على قيد الحياة؟!.
يا دكتور " وادي الدوم" كارثة،.. عمرك أسمعت الجيش الليبي مهزوم؟!..
زمان،.. في الاول،.. في اول الثمانيات دخلت القوات الى تشاد، في اقل من خمسة وأربعين يوم كانوا " مقرطسين" كل تشاد، وعلى حدود " نيجيريا"،.. كان الجيش جيش، قوي منظم، ومدرب زين وفيه إمكانيات..
الجيش يا دكتور " فركسوه"،..
..............

هذا يوم " الشفرات"،.. من شفرة " بنينه"،.. الى شفرة " اكتيفيد"،... وننتهوا بشفرة " الجيش"،...
تربحوا فكوني،... فكوني،.. انا فعلا مازال " ما نفهمش في النفسية"....

حكاوي " بنينه" ( 17)

الجو في قاعدة " السارة" او " معطن السارة" في شهر ابريل حار جداً، تبلغ درجة الحرارة 40 درجة في اغلب الأوقات بين وقتي الظهر والعصر، وأفضل الأوقات فيها هو من بزوغ الفجر حتى الثامنة صباحا، وساعة قبل أذان المغرب وحتى وقت متأخر من الليل. جفاف الجو وانعدام الرطوبة تجعل " الماء" اهم ما يمكن ان تقع عليه يدك، وربما هذا ما جعل " معطن السارة" تهفو اليه القوافل في سابق الزمان في رحلتها من الشمال الى الجنوب، والعكس كذلك.
خط سير هذه القوافل يمر على مدينة " الكفرة" في الاراضي الليبية، ويتفرع عند دخوله بر تشاد الى " فادا"، و " ابشه" في وسط البلاد وشرقها الشمالي، و " ازوار" و " فايا لارجو" من جهة الغرب. وبذلك يحمل هذا المكان مكانة استراتيجية في حماية الحدود الجنوبية للبلاد. أنشئت فيها مرافق تبعث على الاطمئنان، اذ بوقوعها في قلب منطقة واسعة ومنبسطة تجعل سيطرة " سلاح الجو" شبه كاملة، ومن المستحيل ان تفكر اي قوة من تهديد " قاعدة السارة" بدون افتضاح أمرها والقضاء عليها مئات الكيلومترات داخل الاراضي التشادية.
" سلاح الجو" كان حاضرا بقوة، بطائرات استطلاع ومقاتله، ونقل عسكري، وخطوط الإمداد كانت تصل من الثلاث مراكز الرئيسة في البلاد تلك الفترة " طرابلس، بنغازي، وسبها".

في " السارة" انت مقطوع عن العالم، والأخبار هي ما ينقله القادمين الجدد، او النزر اليسير مما يقوله بعض الضباط ذو الرتب العالية، الذين عندهم إمكانية الاتصال الهاتفي المحدود و " المراقب"!!!
.....
بعد ان تعودت على نسق الحياة فيها، وجدت ان " التويوتا" التي خصصها سيادة " الكنقرس" للعيادة لها فائدة عظيمة، اذ ان بها " راديو" ما سمعت "صفاء" موجات صوتية مثله من قبل، وبذلك استطعت ان ادخل الجولة الصباحية بعد الفجر بالسيارة بما يتيح لي سماع الأخبار وبعض البرامج خصوصا إذاعة الكويت وفيها " عند جهينة الخبر اليقين"، وإذاعة الشرق الأوسط المصرية وفيها " الهشك بشك"، وبالطبع إذاعة لندن التي فيها وبدون أدنى شك " النباء اليقين"......
اما في ساعات الليل فكنت حريصا ان اسمع شيء قليل من " صوت الوطن العربي"، حتى أتأكد انني لازلت في أعيش في الواقع، ولا تاخدني الأحلام، عملا بمبدأ " يا شراب الحليب مرجوك للميه"...
......
كثيراً ما تجولت، وسألت نفسي، كيف استطاعوا ان يعملوا كل هذا في عمق أعماق الصحراء، وصالة مطار " بنينه" ضيقة لا تكاد تمر فيها أوقات الزحمة الا وانت تكاتف كل من يمر بجانبك؟!..
عدد من آل " دشم" الكبيرة يخزن فيها كميات كبيرة من الأطعمة الجافة، وأخرى فيها أسلحة يعلوها " الغبار" بكثافة.
..... هالني ليلة البارحة حين ذهبت الى مركز الاتصالات، بعد دعوة تلقيتها من العسكري الذي يقوم بالعمل فيها، غرفة كبيرة فيها شاشات، يستطيع ان يشاهد محطات تلفزيون عديدة، بالطبع غير الليبية،.. وعندما عبرت عن دهشتي قال؛ يا دكتور غير شن ريت انت ؟!،.. هذه المحطة متصلة بالأقمار الصناعية يعني " تلقط طول"...
... عرفت أيضاً، ان بإمكانه الاتصال باي مكان في " ليبيا"، ثم سألته، ولماذ لا يتوفر الاتصال للجنود حتى يتصلوا بأهلهم ؟!!.. ما نعرفش يا دكتور،.. هو كان يبوهم يتصلوا،.. ممكن !!!!
ثم أردف،.. في تلفون واحد مخصص للاتصالات،.. ونهض من مكانه وأشار الى خيط طويل يخرج من المحطة مسافة لا بأس بها وفي نهايته تلفون...،.. هذا يا دكتور كل الجنود يتكلموا منه، لكن نفتحوا فيه وقت محدود،.. يعني واحد يحصل " يدوي" كليمتين وواحد ما يحصلش ؟!....
... لكن يا دكتور فيه واحد " كبير" ....يعني " كوز"... عنده تلفون وديما يكلم،.. ديما ديما،.... وبصوت منخفض قال؛ خشيت على الخط متاعه،.. القيته يكلم في " المرأ"؟!....
اسمع يا دكتور،.. المحطة على حسابك،.. امتى ما تبي تتكلم غير تعال!!،... رديت عليه،.. شكرًا شكرًا، وَبَارِكْ الله فيك، عارفك ما تقصر،.....
من اعيوني يا دكتور....
وعند خروجي استدركت وسألته؛ هل تسمعوا في المكالمات،.. يعني تصنتوا عليهن؟!.
آمالا كيف يا دكتور،... الحكاية موش سايبه!!!،.. وكأنه خمن الهدف من السؤال،.. أردف لكن انت يا دكتور " حر"، تكلم وتقول اللي تبي تقوله؟!!....... وما يسمعكش حد " بكل".....
قلت في " نفسي"،... ايه " عندي منه"!!

........
من كل الأماكن في " السارة"، المزرعة هي الأقرب الى نفسي بعد العيادة الطبية طبعا، فانا تربيت على عمل المزارع، وخبير في معظم اعمال الزارعة، فمن يسكن قرى الجنوب يتعذر عليه العيش بدون " مزرعة"،... وربما حتى يوصف ب " الزلّك"، وهي كلمة تطلق على الانسان " الزاطل" الذي لا عمل له،.. " يعني لا خدمه لا قدمه".
... " المزرعة" فيها بئرين، وفي ذلك الوقت كان " القضب" رابخ ما شاء الله طول واخضرار، وفيه "النوار"...
" النوار" الذي ينذر رؤيته في الصحراء، ولكن " القضب" الممتاز الذي شبع من الماء والسماد يظهر " نوار" تتعلق به الكثير من الحشرات و" العسيلة"...رائحة " القضب" مميزة في الصباح الباكر، خصوصا اذا كان تشرب الماء وقت الليل،...
بلغت فرحتي مداها، حين قابلت في المزرعة " الاشكداوي"، وهو عسكري من قرية " أشكده" بوادي الشاطئ، وبعد التعارف وجد انني اعرف الكثيرين من اهل " أشكده"،... مما جعله يقترب مني أكثر، ففي تلك الأماكن هناك قوة خفية تجذبك الى كل من تتشارك معه في البيئة، يعني " الشراقة" يلمو على بعضهم، و " الغرابة" كذلك، والآن الدور على " الفزازنه"....
" الاشكداوي" لف بي في المزرعة،.. ونحن نتجاذب أطراف الحديث، ذكر لي ان الرائد " محمود الزروق" عمل كثيراً للاعتناء بهذه المزرعة، وله فضل في إنشائها،.. ما إثارني انه لم يترحم عليه؟!!..
وعليه، سألته؛ آه... وكيف اخبار الرائد "محمود"؟!.. والله يا دكتور اللي نعرفه انه في " وادي الدوم" ولم اسمع عليه شي؟!!..... عندها سكت لبرهة ونحن نمشي في المزرعة، ولا أتذكر ما كان يقوله ،.. فكل ما بذهني ذلك الوقت،... حتى موتك يا " محمود" ما تستأهل يعرفها هلك وناسك؟!... شعرت بحسرة كبيرة جداً،.. لم يخفف منها الا انني في " المزرعة" أحب الأمكنة الى قلبي...
أسترسل في كلامك بعد ان ذهبنا نحو " النخل"،... الله الله الله،... " شبح النخل خطر عليا بلادي".....
وقفت على " النخل" واحدة واحدة، وأتأمل نوعها، هذه " تغيات"،.. " تافسرت"،.. " مقماق"،.. وهكذا دواليك...
ودّعت " الاشكداوي"،.. وهو يعدني انه سوف يأتي للعيادة في المساء " الهذرزة"...
وانا أخمن،... هل ابلغه عن مصير الرائد " محمود".... فهو من قريته وقريب له ؟!
آه،.. على وطن هكذا يكافئ " أبطاله"؟!!....