إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 20 مارس 2015

الجزء الثالث من حكاوي بنينه



حكاوي " بنينه" ( 10)
تَرّ وقاطر ... يا دكتور
صحوت مبكرا كالعادة وعند رجوعي من صلاة الفجر وجدت " بنينه" مستيقظ وبدت عليه علامات من يود ان يقول شيء ما،... صباح الخير،... رد التصبيحة وبصوت في نشاط قال لي اليوم يا دكتور نفطرو بدري قبل " الكبانية" عندنا شوية شغل، نقضوه قبل فتح العيادة!!
روتين الفطور اصبح معهود، وما ان انتهينا منه حتى أعاد،.. هيا هيا يا دكتور، عندنا ساعة ونصف " بس"، وقفت معه وهممت للخروج، حينها اخرج من جيبه خيط طويل ربط فيه مفتاح، وبداء في تلعيبه في حركة حلزونية حول إصبعه وهو يهز راسه وتعلو وجهه ابتسامة ويقول،... وصلت الحنينه.. وصلت الحنينه......هيا يا دكتور نديروا برمه " جولة" بالتويوتا....
عندها عرفت انه يتكلم على السيارة التي وعد " الكنقرس" لتخصيصها للعيادة. ... واصل " بنينه" الكلام، سي " الكنقرس" هذا مقنعر، يقول ويفعل. .... كانت فعلا جديدة لازالت " بالنايلو" يغطي مقاعدها، وفيها رائحة لا تخطئها حاسة الشم للسيارة " الجديدة ناف"... ركبنا فيها، ثم ادخل المفتاح وأدار المحرك، وبحركة تبعث على الضحك استدار برأسه وكأنه يتصنت على صوت المحرك،... البلا... البلا ... البلا ... " بنينه" يسوق في كرهبه جديدة أصفار، وضل يرددها عدة مرات وهو يتحرك على الكرسي راقصا، كأنه لا يصدق نفسه!!!
نظرت الى لوحة العدادات وقرأت فيه ان السيارة لم تتجاوز ٨٠ كيلو متر ؟! .... أستغربت، وسألت " بنينه" كيف أتوا بها من الميناء، أكيد " اطيار" ... صحيح يا دكتور.. صحيح هاذين يجيبوا فيهن في الطيارة، ساخطة كبيرة ترفع شي واجد واجد ....
..
والله يا دكتور ماني مصدق ان " بنينه" يركب ويسوق سيارة جديدة، ونا عمري ما سقت الا في عقاب كراهب " قرباجات"...ايه يا دنيا..
ومع شروق الشمس تحركت التويوتا في " تدهويره" في قاعدة " السارة،... هذي كانت معطن يا دكتور،.. من زمان .. من ايام السنوسية، الله.. الله عليك يا " سيدي ادريس" وين ما تحطوا كراعكم ما يجي الا الخير؟!!
وبحركة بطيئة وفيها الكثير من " التجعيد" وانا الحظ كل ما يصدر من " بنينه" الذي فتح نوافد السيارة وأدلى ذراعه منها، أخد يعرفني على مختلف المرافق في القاعدة، مركز القيادة، بهو الضباط، مركز اتصالات الأقمار الصناعية، مكان الهاتف، المزارع، مخازن " دشم" التموين، مخازن الأسلحة، " دشم" الآليات الميكانيكية الكبيرة، مقار كتائب الحماية، الميز، ثم اتجه الى قاعدة السلاح الجوي ذات المهبط الطويل الذي لا يقل عن اثنين كيلومتر ومركز مراقبة. كانت توجد العديد من الطائرات تربض على ارض القاعدة، تعرفت منها على " السمركيتي" التي تشبه طائرات التدريب، لكنها مجهزة بصواريخ رُكبت تحت أجنحتها.
إمكانيات ضخمة في عمق الصحراء الليبية ولا تبعد الا اقل من مئة كيلومتر عن الحدود التشادية... ذهلت من وجود كل ذلك ولم أكن أتوقعه .... توقف " بنينه" بجانب احدى الطائرات الكبيرة، وأشار اليها وقال لي " هذي اللي قربعت إذاعة ام درمان في الخرطوم".....
ما شهدته جعل عندي انطباع بالفخر ان مثل هذه القلاع موجودة لحماية الوطن " ليبيا"، ولكن أيضاً اثار تسائل كيف يحدث هذا ومطار سبها له ارضية مكسرة، ومطار بنينه الذي يخدم كل الشرق الليبي إمكاناته محدودة جداً ؟!!
ما شاء الله، ما شاء الله خيرات يا " بنينه".....
أين خيرات يا دكتور بالله عليك؟! ... هال اللي تشوف فيه كله.. كله.. كله " طايح في رايح"!!
كيف، ماذا تقصد ؟!.... يا دكتور هال الحديد تكسر كيفه في " وادي الدوم" وأكثر منه بواجد واجد.......
"
وادي الدوم" كارثة يا دكتور،... أيه غير ايش نحيلك، تعرف واجدين من الل جو للعيادة أمس كانوا في الدوم، ويا ما منهم اللي راحوا فيها، وكلاهم السافي والذياب...
لا حول الله ولا قوة الا بالله، لا حول ولا قوة الا بالله .... ربي يرحمهم ان شاء الله،.. لكن يا " بنينه" انت شن قصتك بالله ؟!!..
أييييه،.. يا دكتور غير ايش نحكيلك ومنين نبدأ؟!... " تَرّ وقاطر"..
وفي طريق العودة الى العيادة أوقف السيارة، واسترسل في الحديث....
انا يا دكتور " راقد ريح" تعرف ايش معناها يا دكتور..... أومأت اليه برأسي للتأكيد
والدي جايبني على كبر، وهو يا ما شاف وهو صغير، كان في " الأدوار" مع سيدي عمر المختار، وبعدين ضاقت عليهم هاجروا لمصر وقعد فيها سنين، وعاود لليبيا لما بدت تبحبح شوي في اول الخمسينات، ورد على هله اللي كانوا راعاويه في جيهة " مسوس"!! تعرف. مسوس يا دكتور ،.. أومأت اليه كذلك..... ايوه يا سيدي وازوج وجاب " بنينه" اللي هوا انا، لكن راه اسمي الحقاني أحمد، لكن لآني ولدت وقت كانت الغلم ترعى شور بنينه " بدت" سميتي " بنينه" .... انا من الشويخات " شيخي"....
ما يغباك الحال " متملحه" ويا ودي فقر،... لكن الحمد الله " خشومنا ديما فوق"، تربيت مع الغلم " غنم"، نرعى، وفي الستينات خشيت المدرسة في " الابيار" لكن وقت الموسم ننزلوا للبر وننقطع عن المدرسة،... وعلى هال الحال لين قالوا ناضت الثورة،.... يا ودي تبحبحت في الاول،.. عطونا بيت شُعبي في " بنينه" في نص السبعينات، والوالد حصل خدمة عساس في المدرسة، بعدها مرض ،..... ما طول ومات " ربي يرحمه ويرحم امة محمد"،... وقعد عمك " بنينه" يا دكتور يرعى في خوته " يتامى" وأمي أركبها المرض والحكاية تضايقت من جديد.....
سيبت سريب " الغلم" ورديت على المدرسة، وقلت نحصل خدمة هنا وإلا هنا نتعاونوا بيها على الزمان، مشيت شور واحد " بوبناخي" رحب بيا، وقاللي يا " بنينه" حياة المرحوم والدك خش للدور مع سيدي عمر وعمره اربعطاش العام، وما فيه حد ما يعرف والدك ، شجاع وفارس من يومه، وعليّ الطلاق ما تروح لين نلقولك خدمة....
قول يا سيدي ما فاتش يومين لين بديت معاهم في شركة " الخليج" متاع النفط ومشيت ندرب معاهم في الحقول في الصحراء.....
واحنا مروحين في الطريق لقينا " كبسه"، كركروني من السيارة تقول " جدي" ومنها ما لقيت روحي الا في معسكر التدريب " في الجيش"... حسنوني صفر، وبديت " يس يم، يس يم" وعلى هال الحالة اليا نهار اليوم ....
العجوز ماتت " ربي يرحمها" وخويتي زوجتها والحمد لله، وخوي الصغير في الجامعة وانا نخدم عليه .....
انا يا دكتور " تَرّ وقاطر"، حالتنا متملحه من يومنا، وهاذيم زادو ما ريحونا، احنا مالنا ومال تشاد، راحوا فيها ضنانا، وعلى شبحتي حتى انا " بنريح فيها"!!...
هنا فقط قاطعته،.. لا لا بعيد الشر عنك، وربي يحفظ لخويك، وينوسكم ببعضكم، الحمد لله شباب، وان شاء الله تروح لبنغازي وتتزوج وتعمل أسرة وتربي صغارك ويقروا في المدارس والجامعات.....
آه .. يا دكتور.. " مريم" خاطبينها من خمس اسنين وهي وأهلها يراجوا، وكل من نقول ربي يستر ونشقوا بحالنا، يطلعونا بشي " غبارة" ثانية،.... تشاد ماعادش تمت... وكملتنا معاها....
يا ما منهم اللي كانوا معانا وراحوا،.... شباب راحوا حسوفة عليهم وعلى أمهاتهم، اللي قطعوا اكبادتهن..... الله يقطع اكبودهم ان شاء الله.
ما يغرك شكلي يا دكتور، رانا شيوخ غير الوقت هو اللي معكوس، اجدودنا فراسين يقدموا على النار، وديما على راس الميعاد، لكن هالوقت عطيب، كان برم عليك ما لك الا الرجاء في ربك الا العبد ما عنده حيله!!
...
حاشاك يا دكتور تعرف اللي حالته " تَرّ" يعني يطّلع فيه من فوق واوطا " قذاف وخرا"، وزيدها قاعد في براكة " زينقو" والمطر تصب خيط من السماء، والبراكه فيها فتحات في السقف، يعني تشرشر، هذا هو حالي " تَرّ وقاطر"....
وشبحتي فيها اني "حنريح" فيها كيف اللي قبلي في هال " التشاد" وما واجعني الا حتى قبر يترحموا عليه ما يبقاش ليا.....
بهده الكلمات قاطعته مرة اخرى، وانا أؤكد له انه سيسلم والحمد لله القاعدة كبيرة وأمنه ومجهزة، ولا خطر على حياته،... ونظرت الى الساعة تشير الى انه لم يبقى الا عشر دقائق على موعد فتح العيادة......


حكاوي " بنينه" ( 11)
" غمجه والقوات الصديقة"
استمر العمل في العيادة الطبية بانتظام وبدأت الأعداد التي تترد تزداد كل يوم، وكما ذكرت معظم شكاوى المرضى يمكن التنبؤ بها، لكونهم من فئات عمرية يغلب عليها الصحة والعافية. الا ان الجزء الذي شَكل لي ارق هو فهم الحالات النفسية لهؤلاء الجنود والعساكر وكذلك من هم في صف الضباط. تجربة " امراجع" لا تفارقني وشعوري بالتقصير اصبح طاغيا حتى بدأت انظر اليهم تقريبا وكأنهم كلهم مرضى نفسانيين يحتاجون التشخيص والعلاج، وعليه أصبحت اسأل كل مريض عن حالته النفسية ومشاعره، وهل هو راضي بمكان عمله، وكيف أستطيع ان أساعده؟!
كانت مفاجئتي كبيرة حين وجدت انهم كلهم تقريبا يرفضون هذه الحرب ولا يرون سببا وجيها لها، وعديد المرات سألوني ليش انت يا دكتور اول واحد يقوم بهذا السؤال؟!!.
طبعا، لكل قاعدة استثناء، فعندما سألت المقدم " مفتاح" وهو الوحيد الذي يلبس رتبته العسكرية، كانت إجابته تختلف، فهذه حرب لحماية ليبيا وتمس الأمن القومي ولابد منها، بالرغم مما شعرت به منه، من شبه امتعاض من الكيفية التي تدار بها الحرب. المقدم " مفتاح جاء للعيادة للسلام والتحية ولم تكن عنه أي شكوى طبية، ولذلك ما تعمقت معه في الأسئلة حول الحرب ومشاعره نحوها.... موعد كل مريض في العيادة عشر دقائق، ونظراً لان سيادة المقدم مفتاح استمر في " الهذرزة" وجدت صعوبة في إنهاء الحديث، وهو يحدثني عن معنويات الجيش واستعدادهم للدفاع عن " ثورة الفاتح"..... وانا نقول في سري، حتى هنا لاحقتنا " الثورة"؟!...
ربما أدرك " بنينه" انني في ورطة، فدخل الغرفة بعد ان طرق على الباب، وتصنع انه يبحث عن دواء في احد الارفف، وهو يبحث عنه قال " ١١٠٠٠".... فهمت الإشارة، وانه يقصد ان المقدم " مفتاح " ضغط عالي"!!..
مظاهر الزهو بالنفس كانت واضحة على وجه المقدم، مصحوبة بشيء من العجرفة، الا ان حديثة معي كان معقول الى حد كبير، ويشعرك انه " ولد بيت".... شكر الطاقم وخرج ماشياً يتبختر بلبسته العسكرية الخضراء المكوية ........مع السلامة،.. مع السلامة..
وما ان فارق المكان حتى بادرني " بنينه" هذا يا دكتور يقولوا عنه " كوز كبير"،.... رد بالك منه ؟!!....
استمر العمل حتى دخل " بنينه" مرة اخرى يبلغني ان في الخارج كمشة " مجموعة" تشاديين وقالوا ان احدهم طبيب يود الدخول والحديث معي،... حاضر .. لا مانع خليهم يدخلوا .....
"
بون جور".. سلاما اعليكم دكتور... وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،... تفضل تفضل ، ......
"
تو تو باغلي فغونسي" ؟!..... " نو نو جينيسا با باغلي فغونسي"..... عربي آند انقلش...
ما مشكله، انا دكتور " كوات صديقه" ... أسمي " غمجه" انا فرهان ياسر انت فيه هانا... انا فيه كثير " نفر" مريض ويبي " هلاج" .. أدركت طبعا انه توجد قوات صديقة، وهذا هو الدكتور المرافق لهم.....
سألته عن ما يطلب من علاج واذا أمكن ان يكتبه في ورقة حتى اسأل " القيادة" عن إمكانية تلبية الطلب. ثم دخلنا في حديث عن عدد الجنود الذين معه، فقال انهم تكريبا الف؟!!.
هنا سمعت " بنينه" يردد؛ خلا .. خلا .. خلا ما منهم هالعبيد؟!! .. طبعا هو كان في ركن آخر من الغرفة، ومع انه تكلم بصوت منخفض، الا ان ما قاله وقع في إذن الطبيب التشادي، فغضب، ... ما يقول عبيد،.. ما يقول عبيد .. وعيونه تقدح شرراً،.. نهرت " بنينه"، وطلب منه الخروج من الغرفة واعتذرت من الطبيب التشادي، وعللت كلام " بنينه" بانه في ليبيا هذه كلمة تطلق على الأفارقة وليست بالضرورة بالمعنى اللغوي ....
كنت أكسر لغتي العربية حتى يفهم التشادي،.. وبدت عليه علامات الراحة والرضا، وخمنت انه من اللائق ان استمر معه في الحديث مدة أطول حتى أطيب خاطره، فسألته عن الحرب ولماذا هم متمردين على حكومتهم وماذا يفعلون في ليبيا؟!..
أجاب،.. يا دكتور تاريخ تشاد كله هرب هرب هرب، بس هرب مرة هنا ومره غادي، وانا ما يبي حرب، انا يبي يعيش في مكان فيه ميه وفيه برادات " ثلاجات". هنا في التشاد شمال كله صحراء،.. ما فيه شيء ....
المهم بعد عشر دقائق انتهى الحديث، واتفقنا انه سوف يأتي بقائمة الدواء المطلوب فترة " القيلولة"....
............ ............. .............
وقت الغداء كان الحديث مع " الكبانية" عن أمرين، المقدم " ١١٠٠٠" او " الكوز" وكذلك القوات الصديقة وطبيبهم التشادي " غمجه"، وكان واضحا تخوفهم من الاول، لكن ما استوقفني هو عدم اطمئنانهم الى هذه القوات التي تتمركز بالقرب من قاعدة " السارة"، بل منهم من كان متأكد ان هذه القوات سون تنقلب على الليبيين وتحارب قوات الجيش في قاعدة " السارة".
ونحن في هذا الحديث جاء " غمجه" كما وعد يحمل قائمة طويلة للأدوية التي يرغب فيها، أخدتها منه ووعدته بأنني ساقدمها الى " القيادة" في اجتماع كان موعدة بعد العصر في مركز القيادة...
في الموعد المحدد كنت امام مركز القيادة، وعند دخولي وجدت مجموعة من الضباط على رأسهم العقيد الركن " محمد العباس" الذي عرف بنفسه نائب آمر القاعدة، وكان معه المقدم مفتاح " ١١٠٠٠ او الكوز"، المقدم احمد، والرائد " يوسف المنقوش".....
غادر الرائد " يوسف المنقوش" بعدما تم التعارف، ووصفوه انه " أحسن ضابط دروع في ليبيا"!!
بعد الترحيب، سألوني عن النواقص في العيادة الطبية؟!
قدمت قائمة بالمعدات والأدوية فوعدوني بايصالها الى جهات الاختصاص، ثم قدمت القائمة الخاصة بالقوات الصديقة " التشادية"، وعند مراجعتها لاحظوا انني شطبت ثلاث عناوين لأدوية، فسألوا عن سبب ذلك؟!
أجبت، ان الاول هو مضاد حيوي من الجيل الثالث غالي السعر، وفي العادة يقتصر استخدامه على المستشفيات، والثاني دواء مخدر لا يصرف في ليبيا الا بأحكام، اما الثالث فكان لعلاج " مرض السل" وفي تلك الفترة كانت أدوية السل ناقصة جداً في ليبيا او شبه منعدمة، فعلقت على الامر ان " هذا الدواء ناقص في ليبيا، والليبيين أولى به من غيرهم"!!.....،
حينها انتفض المقدم مفتاح موجها كلامه لي؛ " يا دكتور ما تقول ان الأدوية ناقصة في ليبيا، ليبيا فيها كل شيء، رد بالك الأمور تمام ١٠٠٪". كان في لهجته بعض الحدة وان لم تصل الى ان ينهرني، ولكني شعرت بامتعاض شديد وفي لحظة غضب انفعلت، ورددت عليه وعلى نفس المنوال؛ " عندما قلت ما قلته، كنت أظن انني حريص على ليبيا والليبيين، فكلامي ليس سياسة، إنما هو من مبدأ الحرص وان الليبيين أولى من غيرهم،.... واذا أنتم تريدون ان تعطوا الدواء للتشاديين والليبيين يقعدوا بلاش هذا رأيكم، وانا لا علاقة لي به. كل ما أقول ان ليبيا ناقص فيها هذا الدواء، وهذه حقيقة وربي سيحاسبني عليها"؟!!.... كانت علامات الزعل واضحة على وجهي، مما حذا بالعقيد " محمد العباس" الى الرد على المقدم مفتاح؛ " لا يا مقدم مفتاح، احنا عارفين كل شيء، وليبيا فيها الدواء ناقص، وازيدك من الشعر بيت، حتى الأكسجين ناقص؟!"،.. عندها تؤثر الجو كثيرا، وبدا عليهم نوع من الخلاف، وربما شيء من التحدي فيما بينهم،......
عندها وقفت، وقلت ما انا الا طبيب، لآني عسكري ولاني سياسي، وما قلته كان من باب الحرص،... وفي النهاية هذه بلاكم وهذا دوائكم، ان شاء " تكحتوه" في الرملة، هذا لا يعنيني،... وخرجت لا التفت على شيء .... سمعت سيادة العقيد " محمد العباس" ينادي ... غير اقعد يا دكتور .. غير اقعد .....
ركبت السيارة، ورجعت للعيادة متأثر بعض الشيء، ولكن ما توقعت ما سمعته في الليل عندما جاء العقيد " محمد العباس" الى العيادة، وطلب مني ان يختلي بي بعض الوقت، .........
على الإطلاق ؟!....


حكاوي " بنينه" ( 12)
" انت يا وليدي قذافي وإلا مقرحي" ؟!!
حضور العقيد " محمد العباس" الى العيادة الطبية قبل موعد الإغلاق للفترة المسائية كان مبعث ترحيب من " الكبانية"، وبالرغم من ملابسه الميدانية العسكرية وبدون رتب، قدم له كل الحضور التحية العسكرية، فهو شخصية محبوبة لديهم خصوصا انه الآن اصبح الآمر الفعلي لغياب العقيد خليفة في " مأمورية" لطرابلس. جلس على الكرسي بعد السلام والترحيب، وظهرت عليه علامات الراحة والانشراح مما أعطاني شعور بالاطمئنان نظرا للموقف الذي حدث في لقائنا بعد العصر وكلام المقدم " مفتاح" الموجه ليٌ.
وبعد استشارة طبية بسيطة، قال انه يود ان يتحدث معي لوحدي، اذ ان هذه المرة فقط هي التي بقي فيها " بنينه" داخل الغرفة وانا افحص مريضا، وظننته من باب حرصه على إعطاء عناية خاصة لسيادة العقيد، او في أقصى الحالات نوع من الفضول.
خرج " بنينه" معتذرا وطالبا العفو، ظانا ان سيادته تبرم من وجود " بنينه"، فهو حتى تلك اللحظة لا يعلم بما جرى في الاجتماع بعد العصر، وكنت انتوي اطلاعه، فهو ادرى بأمور الجيش والضباط !!
بداء العقيد حديثه؛ انت امنين يا وليدي؟!... هذا السؤال واللغة التي استخدمها أشعرتني بالحنو من جانبه، فقلت انا من الجنوب، انا من سبها.
...
انت يا وليدي قذافي وإلا مقرحي؟!!...
ولا في الأحلام كنت أتخيل او أتوقع هذا السؤال؟!.. لا لا يا سيادة العقيد، انا من قرية تمنهنت " الحميدية" قريبة من سبها، ولأنني أدرك صغر القرية التي ظننت انه لا يعرفها ولم يسمع بها، قلت هي احدى ثلاث قرى في وادي " البوانيس" ... قريب جداً من سبها ،.. ثلاثين كيلومتر فقط الى الشمال..
عندها قال؛ آه .. تمنهنت.. " التصنيع الحربي" ؟ .. أجبت نعم نعم.... وقبل ان استفيض في الإجابة عن الأصل والمفصل على الطريقة الليبية، بادرني بسؤال آخر، هل تعرف الرائد " الزروق"؟...
نعم، اعرفه هو من سمنو وكان في المدرسة في دفعة أخي، وأهل البوانيس يعرفون بعضهم البعض ونتشارك في الأفراح والأتراح....هنا، بدت عليه علامات الراحة أكثر، فشكر الرائد " الزروق" كثيراً وقال انه عمل معي " قلم" او مدير مكتب، وأسهب في الإطراء على أدبه ومهارته العسكرية ونبوغه بين أقرانه... كل ذلك افلح في ذغدغة مشاعري، فألان هناك ما يربطني بالعقيد " محمد العباس".... وربما هذه خبرتي وتجربتي في الليبيين، ما ان تتكلم مع احدهم الا وتجد شخصا ما تعرفونه من قبل، كليكما....
قلت له، لي أصدقاء كثيرين من القذاذفة والمقارحة، وهم من نعم الناس يا أفندي محمد، والجنوب فيه الكثير من القبائل والأهالي الذين يسكنون مع بعضهم من قرون، ولكن تغيرت التركيبة الاجتماعية للجنوب الليبي كثيراً جداً، ومن العناصر المهمة في ذلك " حرب تشاد" وآثارها....
اعرف ذلك يا دكتور،.. اعرف ذلك .....
هنا اقترب مني اكثر، وقال؛
يا وليدي انت شاب صغير ومازال المستقبل قدامك، لا تدخل نفسك في المشاكل؟!!.... وانا هنا أتسأل على ماذا يحكي، وأي مشاكل،... وبالطبع لم تخفى عليه انني ما أدركت على ماذا يتحدث!!!
عندها " فقشها"، حقيت مبدري كيف وقفت معاك لما المقدم " مفتاح" قالك ليبيا أمورها تمام، وفيها كل شيء، ... احنا عارفين كل شيء، وأمور ليبيا موش تمام بلكل بلكل،.... والمقدم " مفتاح" جابوه هانياهي " عين" علينا ؟!!...
..
واو... وين هال الرقع،.. هذا اللي كنت خائف منه ؟!! " كلمت نفسي"
والله يا أفندي انا مواطن ليبي، وما قلته كان خارج من القلب، ولم أكن اقصد به موقف سياسي، إنما هي حقيقة، وظننت أنكم كقادة في هذا المكان يجب ان أبلغكم " بالحقيقة" بدون كذب او مواربة او تزوير، وهذا واجب مهني وربما حتى شرعي يجب عليّ القيام به، وهذا ما فعلت....... وضع يده على ركبتي وانا جالس أمامه، وواصل حديثه لا تخف، فانا مسرور من شجاعتك، لكن عليك الحذر، فالوضع متأزم في الجيش بعد الذي حدث في " وادي الدوم"،.. وانا لا اريد ان يذهب احد نتيجة وشاية او اخبار مغلوطة!!!!
..
ابعدين، طالما انت من طينة " الزروق" وشاربين اميه اوحده، انا لا استغرب ما قمت به، دمكم " حامي"....
ما تخاف، طالما انا هنا ما يمسك سو، ولا يوصل فيك حد، لكن احرص على المستقبل، وان شاء الله ليبيا ينصلح حالها وتخدموها كيف نحبوا، الا احنا، وبنوع من الدعابة، جيلنا " راح فيها"...
أجبته، بالشكر على هذا الموقف النبيل، وأني لن أنساه ما حييت، وان شاء الله نصيحته وقعت في مكانها، وربي يسترها مع المقدم " مفتاح"...
ودعني، وخرج بتحيته " الكبانية" الذين كانوا ينتظرون في الخارج، وهم على احر من الجمر ليعرفوا ما جرى بيني وبينه!...
ذهبت للعشاء معهم، ولم ابلغ احد بما جرى الا " بنينه" الذي كان عنده حدس عالي، وعرف ان الموضوع " فيه ما فيه"... ذكرت له التفاصيل،...... وهو يقاطعني ،... حي حي حي، ركبت لل " ١١٠٠٠" طول، قلتلك يا دكتور المقدم " مفتاح" كوز قوي " يضرب ويعور"...
لم يكن خافيا عني، ان كل اهل الجنوب في ذلك الوقت اصبح يراهم الناس في ليبيا،وكأنهم مخبرين و" انتينات" وأعضاء لجان ثورية، وأدرك ان شخصية " الفزازنه" الذين كانوا يعرفون بالطيبة والبساطة وربما حتى " السذاجة" احيانا تغيرت الى أناس تخاف منهم، ولا ينبغي الثقة فيهم..... ، ومن العجائب انك لا تنجو فإذا سكتت فأنت استخبارات و"شوشاد" وما تقوم به هو التنصت على الناس، واذا تكلمت وانتقدت فأنت تراوغ وحتى تجر الناس بالخديعة او " مدعوم".
نعم كان فيه من اهل الجنوب في اللجان الثورية، وبعضهم ربما ارتكب أخطا بحق الآخرين، ولكن الغالبية كانوا كغيرهم من الليبيين بسطاء و طيبين كما كانوا وسيكونوا عبر التاريخ.
لبرهة شعرت بالخوف من الرائد " مفتاح" وما " يقولونه" عنه ولكن حضرت تلك الليلة دعوة اهل فزان:
" نيتك جملك" يا مقدم " مفتاح".....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق